الأربعاء، 18 نوفمبر، 2009

سلخ الوجود في ( أبراج الوحدة ) لحسن بلاسم






عدنان المبارك

في كل نصوصه يتكلم حسن بلاسم بحنجرة مسدودة عن ( الطوفان ) لكنه لاينطق أبدا بتلك ( من بعدي ... ). إنه مشغول بعذابه ومأزقه مما لايعني أنه لا يكترث للوضع البشري العام ، فهو واقف على خشبته أيضا. والأكيد أن عذابه الشخصي غير محروم من حالات للتماثل مع العذابات الأخرى. إذ أن المصدر واحد هنا : العالم الخارجي. الأمر يخص سبل الطرح ، فحسن يستعين بكل حواسه الخمس التي تمهد الطريق لمخيلة توقظها الدهشة و الصدمة عند التعامل مع واقع ملموس ضاغط بل ساحق الى حد اللعنة. إنها مخيلة كاميرا شرسة إن صح القول.كاميرا بالغة الحساسية يطوف حسن بها في كل مكان تجري فيه فصول جديدة من محنتنا - محنة القذف القاسي في عشوائيته ، في زمكان ُفرِض علينا مع سبق الإصرار.
لاشيء نموذجيا و ليس هناك إلا القليل من الإنساني في عالم الإنسان ، ولا في ممكلة الرب أيضا. والمسألة تقتصر على أن هذه الكاميرا – المخيلة تأخذ بإنتقاء صور وتداعيات وتيارات وعي تحدث هنا والآن وليس في بقعة أخرى من الكون. وبحكم معرفتي بحسن و فنّه ، هو ينفر من وضع ماكياج تفاؤل مضحك أو تصنّع حشمة زائفة. لاشيء في وجهه سوى ما تركته اللعنات المُنزَّلة - تلك البصمة، بصمة إبهام شيطان أو رب حليف له. فهذا الفنان الذي يصارع الإثنتين – اللغة و الصورة الفلمية ينفر من كل خداع للنفس و للآخرين أيضا. إنه عار ٍ ، وبراءته في عريه، وما يفرقه عن الآخر العاري - الوليد الذي قطعوا حبله السري قبل لحظات ، هو أن في داخله قد مات أكثر من إنسان وبعد أن تعذب طويلا. لانرى هناك حديقة غناء بل و لاشتلة ورد واحدة ولافرقة إنشاد جيء بها لتمجيد الإنسان و الرب. بالأحرى هناك مسلخ تطوف فيه كاميرا لا تسجل فقط بل ترفع إصبع الإتهام للعالم الذي جرّ هذا الفنان الى ورطة تشبه ولا تشبه ورطات الأخرين. وما يدفعني الى الإستغراب أن بعضهم إختلط عليه الأمر ولايفقه ما المقصود من فن حسن بلاسم الذي صار هاجسا لديه سلخ الجلد كي يرى ما تحته من نبض للحياة و إحتضار بطيء أو سريع لها.
واضح أن حسن يستغل أكثر من ( موتيف ) من أداب و فكر وميثولوجيات تبقى غريبة على ذلك البعض. هناك موتيف التشاؤم التأريخي ، الشعور بالتراجيدي على خط هيراكليت - هايديغير ، ومنذ سوفوكليس الى شوبنهاور ، فكل هؤلاء هم ممن أدمنوا على التحديق في الصورة التراجيدية للعالم. واضح أن تضاريس الصورة تعكس هشاشة الوجود ووقتية حياة الإنسان الذي يناور واقعها بتكثيف أفعاله وقيامه بأكثر من محاولة مضحكة لمنحها المعنى. و في كل مرة حين أقرأ نصوص حسن يخيل إلي أنه يقف وراء ستارة شفافة و يطلق قهقهة أو شتيمة على تلك اللعب التي إخترعها الآخرون : مستقبل وضّاء ، جنّة الخلد ، إنتصار العقل و المعرفة ، دحر رهبة الوجود بدوغما الخلاص الديني والأخرى عن خطيّة وتقدم التأريخ ، إزاحة الموت جانبا وكأنه ليس تكملة منطقية وأيّ كان عبثها. واضح أيضا أن حسن لايفارقه غيظه في رحلة اليومي التي يعود منها ملطخا بوحله الذي يصوّره ، وهو محق ، كوحش يهمّ بإفتراسه لكن جزءً بعد جزء. أكيد أن المبعث الآخر لهذا الغيظ هو أفعال العالم الأخرى بل صورته التي رسمها مرة أميل سيوران حين قال بأنها صورة عالم لا يملك فيه أيّ أحد حق المواطنة. في الحقيقة يدرك حسن عجزه عن ( ترويض )كوابيسه أو ركنها في زاوية فلربما تزوره الأحلام التي يغيظه ندرتها ، ولربما هي بالغة المكر وتتخفى في تلك الكوابيس...
لايخفي حسن أبدا إشمئزازه من الحياة. وشأن سيوران يجد أيضا دفقة كبيرة من الإنعاش ، ولكي يواصل حمل الصليب ، في هذا الإشمئزاز الذي يدفعه الى رسم علامة المساواة بين الظفر في الحياة والخسارة. فكلتى النتيجتين هنا تسبب له الصداع و الأرق ، إذ ليس هناك من تراجيديا واحدة كأن تكون تراجيديا الجسد ، هذه القارورة الهشة التي كان من الخطأ صنعها للإنسان. ومع كل خطوة يخطوها حسن تنخسف تحت قدميه أرض هذا الواقع المألوف و الأليف. و إذا كان سارتر قد وقف طويلا عند الشرخ القائم بين الوجود و العدم نجد أن شكاية سيوران الذي ينصت حسن الى صوته الذي خنق اليأس كل نغماته ، هي من شرخ آخر : القائم بين اللغة و الواقع. الحال هكذا عند حسن : الواقع يسحق بثقله الخرافي اللغة. وهذه الحقيقة ، وكما الزيت الملقى في النار ، تزيد من حنق حسن و إحباطه ( ولهذا قلت في المستهل عن حنجرته المسدودة ). وهذا الشاعر البالغ الحساسية لايخدع النفس بالحلم بحياة أخرى توفر ولو قدرا متواضعا من القناعة و السكينة. لا رجعة هنا عن الحكم الصادر : أن يسير هو على هذه القنطرة غير المتينة والممدودة بين حياة كهذه و موت مجهول. كهذه ؟ يبدو لي أن حسن لايريد في شعره ونثره مصيرا سيزيفيا ولا أيوبيا أيضا. إنه ضد دفع الصخور وضد الإختباء وراء صبر ٍ إرضاء ً لرب يفاجيء بشره على الدوام بعبثياته. حسن يذهب الى اليومي حانقا و يعود منه حانقا أيضا ـ فدورة الزمن هي الدوامة الأكثر قسوة: إنه إرهاب الزمن و الوجود. وضحيته الأولى هو الإنسان الذي صار عند شاعرنا محض حواس متنقلة تتسرب الى كل الأماكن ، المقدسة منها والموبوءة . واضح أن شعر ونثر حسن لايملكان ولو ذرة ثقة بالإنسان و لاذرة طمأنينة لحضوره الذي جاءت به بضع مصادفات لما قبل التأريخ ، بل قد لا تبتعد عن مخيلته المحمومة صورة أخرى للحيوان العاقل : أن يكون باكتيريا تتكاثر عشوائيا غير مكترثة بالموت طالما أنه لا ينهي وجودها المحروم ، في الأساس ، من الغائية ، أو من الأنسب القول : أميبا من الحقبة الباليوزويكية، تلك الهيئات – الأصل التي يسهل عليها مقاومة ذلك الإرهاب – إرهاب الزمن والوجود ، حين تنشطر متكاثرة الى ما نهاية...
حسن يدير ظهره لشتى صنوف الرومانسية و الغنائية وتلك العاطفية التي صارت لغة أخرى و ليس لدى شعرائنا وحدهم ، فلكم من قصص وروايات بل نقود تنضح بما في هذه الأوعية الأدبية الصدئة ! بدل هذا كله يسجل هو بالصورة المباشرة التي لاتخلو من العنف ، سقوطه اليومي. ويندر هنا أن يحقق ولو قدرا بسيطا من التآلف مع النفس و العالم و الآخرين. فالجرح عميق ولامكان هنا للكلام عن هدنة ما في مثل هذا القتال اليومي. العالم مطبق وساحق بكلى نوعي صخوره – المرئية وغير المرئية.
تناطح لغة حسن بلاسم الأخرى - المعجمية ، بل يبدو الأمر كأن هذه تريد أن تقمع غضبه و إشمئزازه ، ومن هنا هذا الهجوم كتاكتيك دفاعي. إنه إنفجار الغيظ بل الشعور المفجع بأنه محاصر و مُدان بسبب ذنوب لا يعرفها ، مما يدفعه الى الأخذ بالفيزيولوجي ، بتلك الكلمات والصور التي لا تخدش إلا سمع المرائي الذي يتظاهر بأنه لا يعرف أي شيء عن وظائفيات جسده. ولكان كل شيء على مايرام لدى المرائين لو كف حسن عن التنقيب في قعر الفيزيولوجي و صعد الى أعلى كي يعثر على ما يوائم ذلك السمع. وفي الواقع تكون ثانوية ًمسألة ُإستخدامه تلك الكلمات ، لكن لدى بعضهم تكون كل حجة مقبولة في المحاولة الرخيصة : تجريد مؤلف مثل( أبراج الوحدة ) من قيمته ومرتبته.

حين أقرأ لحسن بلاسم يتضاعف يقيني بأن الكارثة قادمة. وهي ليست حربا بين البشر أو غضبا للطبيعة فاجأنا ، بل كارثة من نوع آخر أخذت تتسلل الى دواخلنا منذ أقدم العصور ، وكما الأفعى تزحف ببطء الى أن تحين لحظة اللدغة المميتة. واضح ان حسن لا يلهو هنا بتمثيل دور المتنبيء لكن كل مناخات ( أبراج الوحدة ) توميء الى حتمية تلك اللدغة. و دفعا لسوء الفهم علي التأكيد بأن حسن لا يرى في فواجع العراق فصلا منفصلا عن الفواجع الوجودية الأخرى ، فتأريخنا الأحدث بأنظمته وحروبه العبثية تمضي مع الأخرى في ذات المجرى لأحد أنهار هاديس الميثولوجية ، وليكن هنا نهر ليثه الذي يحلم حسن ، وكما أنا ، بشرب مائه كي نفقد الذاكرة تماما …
إن كتاب ( إبراج الوحدة ) ليس إعلانا عن ولادة شاعر عراقي أصيل فقط بل ولادة كاتب يشق دربه المتميز عند التعامل مع كلى صنفي همومنا : المعاصرة والأخرى الوجودية.


* نشر كتاب ( ابراج الوحدة ) في شبكة النت في اكثر من موقع ولم يظهر في كتاب ورقي، بسبب رفض الكاتب طرق دور النشر العربية في المطالبة بأجور الطباعة والنشر.


باندهولم – ايلول 2009

الثلاثاء، 11 أغسطس، 2009

مجموعة قصصية لحسن بلاسم بالإنكليزية







صدرت مجموعة تحوي إحدى عشرة قصة للكاتب والشاعر والسينمائي العراقي حسن بلاسم ، بعنوان ( مجنون ساحة الحرية ) بالإنجليزية عن دار (كوما بريس ) في العام الجاري ، وقام بالترجمة جوناثان رايت الذي كان قد درس اللغة العربية في جامعة أوكسفورد في السبعينات وقضى 18 سنة مقيما في البلدان العربية كصحفي ومراسل لوكالة رويترز. وكان عمله الرئيسي في حقل الترجمة من العربية كتاب ( تاكسي ) لخالد الخميسي والذي نشرته دار ( أفليم بوك ) في العام الماضي ولقي الرواج.
ومما جاء في كلمة ناشر قصص حسن بلاسم أنه بدءا بصانعي فيديو الرهائن في بغداد وعملية التهريب عبرغابات صربيا ، والبارانويا المؤسساتية لأعوام حكم صدام حسين ، الى كوابيس المنفى ومحاولة التشبث بحياة جديدة في أمستردام... تقدم قصص بلاسم مشهدا لامهادنا لعلاقات الغرب مع العراق على إمتداد أكثر من عشرين عاما ، متناولة كل شيء بدءا بالحرب العراقية – الإيرانية ثم الإحتلال. كما تطرح تجربة اللجوء من فترة ما بعد تلك الحرب. ونلقى في هذه القصص مجازا معهودا يصاحب الواقعية التأريخية.
وفي كلمته يوميء الناشر الى ( صدمة ) القراء حين يشهدون في هذه القصص نوعا من كوميديا راسخة للمروِّع ، فالقصص تتصرف بكلى الواقعين : الوهمي والفعلي المصدم. وبلاسم ينقعهما ، بطلاقة ، في كابوسه الشخصي. ثمة تأكيد في القصص على روح المواجهة في خضم كل هذه الصور للحرب أو جنون المستفيدين منها ، كما هناك شجاعة هذه القلة من شخصيات القصص والتي حافظت على الإيمان بما بقي من العقل البشري.
كمايقدم الناشر بطاقة تعريف بكاتب هذه القصص منوّها ً ، بشكل خاص ، بعمله كمخرج سينمائي وسيناريست. ويذكر أيضا أن أول قصة لبلاسم مترجمة الى الإنكليزية ظهرت في مجموعة القصص التي قامت دار ( كوما بريس ) بنشرها في عام 2008 تحت عنوان ( المدينة : قصص عن مدن من الشرق الأوسط ).

*

يمكن الحصول على المجموعة من موقع دار النشر او مكتبة الامازون
http://www.commapress.co.uk/?section=books&page=MartyrsBridge




الاثنين، 23 فبراير، 2009

فيلم حسن بلاسم (حياة بسرعة الضحك )



ضمن برنامج ( السينما الجديدة ) يعرض في الخامس عشر من هذا الشهر على القناة التلفزيونية الفنلندية الاولى ، فيلم تجريبي قصير بعنوان ( حياة بسرعة الضحك ). الفيلم من فكرة واخراج الكاتب والسينمائي العراقي حسن بلاسم المقيم في فنلندا. ويتناول الفيلم الذي يستغرق عرضه أكثر من عشر دقائق ،بأسلوب تجريدي تجربة إنسان يتلقى أخبارا ومضامينا أخرى من الصحف اليومية . ويعتمد الفيلم على تخيل مضمون الخبر كأصوات أثناء قراءته . فنحن لانشاهد قراء الصحف في القطار الذي تدور فيه أحداث الفيلم ، وهي أحداث غير مترابطة تتراكم من خلال المؤثرات الصوتية التي تتعلق بكل خبر ( مثلا أصوات من لهاث مضاجعة جنسية ،ومن طائرات حربية وخطب ساسة ومظاهرات وطوفان و جرائم وحوادث غرق وضحك ومن دور عبادة إلخ ) . والقطار في الفيلم ، هو بمثابة قطار أشباح صوتية ، وبشر تحولوا الى شهود مقيّدين بوهم مايقرأونه، ومن خلال معالجة بصرية تظهر للقراء ـ المسافرين تلك الأشباح محض ظلال على زجاج نوافذ القطار و أشياء صغيرة أخرى ، مثل مساند المقاعد. وتختلف سرعة الظلال حسب مصدر الاصوات. انه قطار محمل بالعجز ينتهي بالوصول الى المحطة الاخيرة ، ليجمع المنظف الصحف من فوق المقاعد ، ويلقي بأصوات الشهود ، أي لهاثهم ومخاوفهم وصراخهم ورصاصهم ، في حاوية الزبل. و في الفيلم لم يستعن المخرج بممثلين ولا بأجهزة إضاءة ، كما وظفت في الفيلم موسيقى ساخرة تبدو كأنها تتحكم بسرعة قطار مطالعي الصحف هؤلاء...

وقد ألف حسن بلاسم كتبا وأخرج عدة أفلام قصيرة في فنلندا وبغداد والسليمانية . وله مجموعة قصصية بعنوان ( طفل الشيعة المسموم ) ومخطوطة قصصية يعدها للنشر بعنوان ( الإرشيف والواقع ). و ينشر بلاسم نتاجه في أكثر من صحيفة ومجلة وموقع الكتروني مختص بالشعر والسينما والسيناريو. كما يشرف على موقع الفيل السينمائي الذي يعنى بالسينما العراقية ، ويسهم بالاشراف على موقع القصة العراقية.

رابط برنامج السينما الجديدة المخصص للافلام التجريبية