الخميس، 19 مايو، 2011

سنة أخرى في خندق عالم غريب


( من مقدمة كتاب صدر في موقع ادب وفن )

عدنان المبارك
رسائلي الى حسن بلاسم محطة عزيزة في حياتي


سبق أن قلت إن حسن بلاسم ليس شاعرا وكاتبا من طراز خاص وسينمائيا مثيرا للإهتمام فقط بل هو من أقرب أصدقائي. و(محاوراتنا ) في الرسائل هي ترياق ناجع لعدد من أحوال المعاناة التي ينبعث دخانها ، وكما دخان البركان ، من داخلي. أنا لا أعرف الكتابة الى حسن بتلك الصورة الروتينية أو ( الإخبارية ) التقليدية ، فكلانا تجاوزهذا الصنف من الطقوس. لا أقول بأن ثمة تطابقا شعوريا وفكريا تاما بيننا نحن الإثنين. أكيد أن للفارق في العمر دوره هنا لكن ليس بالدورالكبير. فأشياء مشتركة كثيرة توميء الى أننا نبحرسوية في تلك السفينة السكرانة الرامبوية ذاتها. محطاتنا في الكتابة ، والفن عموما ، مشتركة. كلانا يستريح فيها برفقة أصدقاء روحيين مشتركين أيضا. ما يشدني بقوة ، الى مراسلة حسن أنه مدرك جيدا لكل ما يخترق حياتي من معاناة دائمة ووعي شقي ومآزق وإحتقانات ، وأفراح لكنها لم تكن أبدا بالكبيرة ...
ثمة هواجس مشتركة لدى حسن و... بيسوا. تخص هي تلك المرارة ، لكن ملؤها الكرامة ، من كل هذا اللايقين ، من هذه الدورة العقيمة بين الميلاد والرحيل بل من الإنتماء الى مثل هذا العالم الذي فرض علينا قوانينه العبثية القاسية وغير المفهومة الى النهاية. ويبدو لي حسن ، في غالب الأحوال ، أنه يكتب إليّ بقلم بيساوائي. فأكثر من رسالة تكاد تقول مع البرتغالي : بدأت ُ أتعرف. أنا غير موجود / أنا ثغرة بين ما أريد أن أكونه وما صنعه مني الآخرون ، / أو أني نصف هذه الثغرة ، فالحياة لاتزال .../ أنا هذا وإنتهى الأمر.../ أطفئوا الضوء ، أغلقوا الباب ، كفوا عن سحل النعال في الدهليز./ سأبقى هنا مع هدوء النفس الذي لايحدّ. هذا هو كون رخيص...
بعض هواجس حسن هو طارئ بحكم التواجد في الراهن من عراقي وغيره ، إلا أن هناك تلك الهواجس التي تتحلق حولها الكوابيس من وجودية وميتافيزيقية. بل بيولوجية: الأرق الذي ينهش صديقي. أرق مهووس بتحدي الزمن ، بل تحجيره بعين ميدوزية. أكيد أنه قاسم مشترك لعين بينه وصديقنا الكبير أميل سيوران. وحتى من دون هذا الأرق لما عرف صديقي طريق النور كما يقال. هو يبحث عنه رغم إدراكه، ولكم هومفجع ، بأن ليس هناك مثل هذا الطريق ، لفا شيء سوى اللا طريق...

ما يشدني أيضا بعوالم حسن بلاسم أنه كاتب لم تتدخل في ولادته قابلة غير مأذونة. وبعدها إبتعد بسرعة عن ( القطيع ). وفضّل أن يكون تلك الجرباء وليس الأخريات التي رُبطت بها البالونات بشتى الألوان والحجوم.

لحسن أكثر من جذر مطلق في جيل البلوغات والتويترات والفيسبوكات وكل ما يعرّي حياتنا العراقية المتخشبة بفعل حماقة وجنون السلطة، أي سلطة ( والمفجع هنا أن جوهر المسالة يخص درجة الحماقة والجنون لا غير ) ، وما جاورها ويزيل أصباغها القبيحة.
الكتابة عند حسن عمل إنفجاري سببّته الحمى ونفاد الصبر، على حد قول سيوران ، وهو يكتب كي يسوّي الحسابات، وتحل الشتائم محل الصفعات وتبادل الضربات. المؤلم كما سكين تطعن كي تصل الى العظم ، هو أن حسن ، وكما أنا ، يكتب كي لاينتقل الى الفعل - وهنا أستعير مرة أخرى كلمات سيورانية - كي يتفادى الأزمة ، وعموما فالحنق ليس رد فعل أخلاقيا بل أدبي . إن كتابة حسن سعي الى تحقيق إستفزاز يعوّض عن كل هذه الإهانات التي تلحقها الحياة والإنسان والرب بنا. وكما قلتُ مرة ، لايبتعد حسن ولو مليمترا واحدا عن الواقع ( الواقعي ) عند الكتابة، و أن كل ما يفعله هو كشفه الفظ للإثنين: سطوح مستنقعات الحياة وأعماقها ...
وهذا هو الرباط المتين الذي يشدنا نحن الإثنين في الرسائل وغيرها