الاثنين، 24 ديسمبر 2012

صدور مجموعة حسن بلاسم القصصية ( المسيح العراقي ) بالانكليزية





صدرت بالإنكليزية عن دار "كوما برس" مجموعة قصصية جديدة للكاتب والشاعر والسينمائي العراقي الزميل حسن بلاسم ، عنوانها "المسيح العراقي ". وضمت المجموعة 14 قصة.
ترجم القصص جوناثان رايت الذي كان قد درس اللغة العربية في جامعة أوكسفورد في السبعينيات وأمضى 18 سنة مقيما في البلدان العربية كصحافي ومراسل لوكالة "رويترز"
ويذكر أن بلاسم قد صدرت له عن دار النشر الانكليزية نفسها مجموعة ( مجنون ساحة الحرية ) في عام 2009. وقد رشحت المجموعة لجائزة القصة والرواية الاجنبية في صحيفة الاندبندت عام 2010 وكذلك جائزة فرانك أوكنور العالمية في العام نفسه.
وترجمت مجموعة ( مجنون ساحة الحرية ) الى اللغات الايطالية والفنلندية والبولونية والاسبانية.
وفي الشهر الجاري اختتم بلاسم جولة قراءة في انكلترا بمناسبة صدور مجموعة ( المسيح العراقي ) في كل من مانشستر ولندن ونيوكاسل.

الطبعة البولندية لمجموعة حسن بلاسم القصصية ( مجنون ساحة الحرية )







نشر العديد من الميديات البولندية عن استضافة ( ميناء فروتسلاف الأدبي 2013 ) للكاتب حسن بلاسم ، و (الميناء ) هو من فعاليات (صندوق لقاءات الكتّاب الأوربية ). وستتم زيارة بلاسم لبولندا في الحادي و الثلاثين من كانون الثاني 2013، كما سيجري حينها الاحتفال بصدور الطبعة البولندية لمجموعته القصصية ( مجنون ساحة الحرية ).
وتكتب الميديات البولندية كتعريف بحسن بلاسم أنه شاعر و قاص و سينمائي و كاتب مقالات ولد في بغداد في عام 1973. وكما تقول المستعربة البولندية أغنيشكا بيوتروفسكا مترجمة ( مجنون ساحة الحرية ) ان بلاسم ينتمي الى الجيل الذي دفع الى هامش الأدب العربي. وكانت مجموعته هذه قد صدرت للمرة الأولى بالطبعة الانكليزية ثم جاءت الأخرى بالعربية والفنلندية والايطالية. وتذكر بيوتروفسكا أن بلاسم يقدّم في قصصه الحرب ككارثة عبثية مرّكزا على تأثيرهاالطاغي على الناس ودفعم صوب العنف والكراهية.الا أن أدب بلاسم ليس بأدب الصور التقليدية لقضية الحرب. فهو يكتب عن تجاربه ومعاناته ومحنه ، بأسلوب خاص يميل الى مافوق الواقعية ، وما يميّزه تلك ( الحدّة السكينية ). و بفضل تلك العقد السردية التي يأخذ بها القاص يتكشف بكل وضوح جنون الحرب.
وتكتب المترجمة البولندية أن فعل السرد في هذه المجموعة القصصية سريع ومن دون أي تزيينات لغوية ، والكاتب يلجأ الى استخدام الجمل القصيرة والبسيطة التي يجدها القاريء طبيعية وواقعية للغاية لكنها لا تنتمي الى تلك الواقعية التقليدية. ففي عالم بلاسم يعترف الموتى بذنوبهم ، ويتكلمون عن حالات انتحارهم أو يصفون ، بكل دقة ، الجرائم التي ارتكبوها. ، أو يرغم الأرهابيون رهائنهم على تصوير أفلام عن عمليات الخطف والحبس. وعامة يمتزج في قصص بلاسم الحلم بالواقع ، و ( الجسدية ) بالميتافيزيقا.
تجد بيوتروفسكا أن أسلوب الطرح واللغة لدى بلاسم يلعبان الدور الأهم. كما تنتبه الى أن عنوان المجموعة ( مجنون ساحة الحرية ) يوميء بالصورة البيّنة الى أن لا أحد هناك غير مجنون الى هذه الدرجة أوتلك. وهذه حقيقة تدعمها مضامين المجموعة ، فالقاريء يلاحق أحداثا بارانوئية ، عبثية ، مشبعة بالفكاهة السوداء. مثلا نسمع اعترافات صحفي وصلته رزمة من ( العالم الآخر ) أو قصة سائر في نومه ثار على الرب ، أويتعرف القاريء على عصابة من محترفي القتل يعتبرون أنفسهم من الفنانين. ومن خلال اللامعقول يكشف بلاسم ، بمعونة الرمز، عن حقيقة تأثيرالقسوة والبطش على الناس ومحوهما الهوية الانسانية. وبأسلوب فعال واكتشافي يتناول بلاسم تلك الحقيقة البسيطة والأكيدة عن أن الحرب لاتسترشد بأيّ منطق، وأن سنينا من الدكتاتورية والبؤس والجوع والعنف الخالي من المعنى ، تغيّر راديكاليا المجتمع بكامله.
 

الجمعة، 25 مايو 2012

تردّدات الذاكرة العراقية: حسن بلاسم يروّع القارئ



في «مجنون ساحة الحرية» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، يحوّل السينمائي والكاتب العراقي «أخباراً عاجلة» على الشاشات إلى قصص عالية الجودة تحكي الواقع العراقي الضائع بين سلطات طائفية واحتلال أميركي وجماعات إسلامية متطرفة

حسين بن حمزة 
 
لا يكتب حسن بلاسم (1973) أدباً جميلاً. ليس في نيّة السينمائي والكاتب العراقي المقيم في فنلندا أن يضيف إلى نصوصه القصصية ما يجعلها لطيفة ومهذبة بالنسبة إلى القارئ. لا مكان هنا للرخاوة والشاعرية. معظم المصطلحات والتوصيفات النقدية مقلوبة أو مشوهة أو منكّل بها في أعماله. مجموعته «مجنون ساحة الحرية» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر) مثالٌ على كتابة مدمّاة وسرد متسارع لا يكترث صاحبه بالتقاط أنفاسه كي يؤمِّن لموضوع القصة ما يلزمه من مهارات أسلوبية وتقنية. القصص عارية تقريباً، ومكتفية بالقوة الضّارية لفكرتها أو موضوعها. بطيبة خاطر، يتنازل بلاسم عن أي أكسسوارات إضافية يمكن أن تمتّن قصصه أو تزيد من جاذبيتها.
الواقع أنّه يفعل ذلك بسبب ندرة حاجته إلى ألاعيب سردية جاهزة، أو جماليات تقليدية مسبقة الصنع. القصص تُحضر «جمالياتها» المضادة معها. الجماليات هنا ليست حصيلة كتابة ثانية للحدث أو الفكرة، بل حصيلة عرضها بفظاظة وبلا رحمة على المتلقي. منذ القصة الأولى «الأرشيف والواقع»، تبدأ ما يمكن أن نسميها رحلة ترويع القارئ، حيث يروي لاجئ عراقي حكاية خطفه من قبل جماعة جهادية تستخدمه في شريط مصور لإيصال رسائلها وتهديداتها، ثم تبيعه إلى جماعة أخرى... وهكذا. في قصة «شاحنة برلين»، يستثمر بلاسم جزءاً من ذكريات هروبه إلى أوروبا عن طريق تركيا، ليروي حكاية بطله الذي يجد نفسه مخدوعاً من قبل المهرّبين، ومحبوساً مع 35 من أمثاله في شاحنة مغلقة متروكة في حقل مهجور. بعد أيام تعثر الشرطة على الشاحنة، لكن ليس قبل أن ينهش اللاجئون بعضهم بعضاً طلباً للهواء والطعام، ولا يبقى منهم إلا شابٌّ يخرج راكضاً باتجاه الغابة وهو يعدو على أربع، ويتحول إلى ذئب مسعور. يتماثل ذلك مع بطل قصة «العذراء والجندي» الذي يضطر إلى أكل أجزاء من جسد عاملة يحبها، بعد أن يُحبسا بالصدفة لمدة أسبوعين داخل غرفة معزولة في معمل خياطة تابع للجيش العراقي. في قصة «كوابيس كارلوس فوينتس»، يكتب بلاسم قصة سليم عبد الحسين، الذي يقرر العيش كلاجئ في هولندا باسم الكاتب المكسيكي المعروف، محاولاً دفن هويته وماضيه التراجيدي، لكن أحلامه المرعبة ظلت تحدث باللهجة العراقية، فينتحر ويُدفن في مسقط رأسه. ما نختزله في هذه القصص لا يتسع لعرض براعة المؤلف في تحويل ما كنا نحسبه «أخباراً عاجلة» على الشاشات إلى قصص عالية الجودة. صحيح أنها قصص كابوسية مكتفية بشراسة وعبثية وقائعها، وصحيح أن صاحبها يكتبها كما يرويها تقريباً، إلا أننا لا نحسّ بافتقادها عناية لغوية وأدبية إضافية. الواقع أن القصص نفسها تفرض نوعاً مختلفاً من التلقي. الأدب هنا ليس محاكاةً للواقع. إنه الواقع نفسه تقريباً. يتساوى الأدب مع الواقع الذي تجري فيه القصص، وتتلاشى المسافة الأسلوبية التخييلية بين القصة ومعادلها الموضوعي والواقعي. السيناريوهات الغرائبية تتوالى في القصص الأخرى، بينما يجد أبطالٌ آخرون غير تقليديين أنفسهم أمام مصائر لا تخطر على البال لفرط قسوتها ولا معقوليتها. هل نتحدث عن الذئب الذي يجده بطل قصة «عادة التعري السيئة» في شقته؟ أم نرافق الكاميرا في قصة «سوق القصص»، وهي تصور «فرْج المرأة الانتحارية» وقد سقط بعيداً عن أشلائها الأخرى، في بسطة بائع سمك؟ أم عن جنون ملحّن أناشيد النظام البعثي، ومقتله بعد احتلال العراق؟ ليست السريالية الآسرة هي ما يجمع القصص الـ 14 في المجموعة، بل الواقع العراقي الضائع بين سلطات طائفية واحتلال أميركي وجماعات إسلامية متطرفة، هو الذي لا يزال يضخ هذه السريالية في سِيَر العراقيين، سواء في الوطن أو في المنافي المتعددة. حسن بلاسم نفسه هو أحد هؤلاء، ولعلّ الكثير من قصصه وسيناريوهات أفلامه هو «أشلاءٌ» من سيرة شخصية، أو استثماراتٌ ذكية في مرويّات الموت واللجوء والتفجيرات المستمرة في بلاده. هكذا، نفهم لماذا وُصفت أعماله بأنها «سريالية وقاسية»، وبأنها «حادة وصادمة».
نشير أخيراً إلى أن المجموعة سبق لها أن صدرت بالإنكليزية أولاً سنة 2009، ورُشِّحت لجائزة القصة والرواية الأجنبية في صحيفة «الاندبندنت»، وجائزة «فرانك أوكنور العالمية» في السنة التالية. وها هي تصدر بالعربية لتضع القارئ العراقي أمام أهوال يعرف بعضاً منها، والقارئ العربي أمام تجربة قصصية متفردة تراهن على جماليات الصدم والترويع.

الأحد، 6 مايو 2012

فوز "المسيح العراقي" ومنع "مجنون ساحة الحرية"



  
فازت المجموعة القصصية الثانية للكاتب العراقي حسن بلاسم ( المسيح العراقي ) بجائزة الترجمة من نادي القلم الدولي لعام 2012 ، وقد حصلت المجموعة التي من المفترض ان تصدر هذا العام عن دار كوما بريس على جائزة الترجمة بعد أن قام جونثان رايت بترجمتها، وسبق أن ترجم المجموعة القصصية الأولى "مجنون ساحة الحرية". وكانت قد صدرت عن نفس دار النشر عام 2009 حيث رشحت لجائزة صحيفة الاندبيندت وجائزة فرانك اوكونور العالمية. 
ويذكر ان مجموعة حسن بلاسم القصصية الاولى ( مجنون ساحة الحرية ) قد منعت من التداول في الاردن ، بعد ان صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2012. وقد ترجمت قصص بلاسم الى الايطالية وستصدر في شهر 9 في اللغة الفنلندية وهناك نوايا تتعلق بترجمتها الى لغات أخرى. وقد كتبت الصحافة الانكليزية عروضا جيدة للمجموعة في الغارديان والاندبيندت وصحف اخرى عديدة 
 
 

الأحد، 29 يناير 2012

المجنون في اللغة الايطالية




مجنون ساحة الحرية في اللغة الايطالية

عن دار نشر
Il sirente
صدرت قصص ( مجنون ساحة الحرية ) للكاتب العراقي حسن بلاسم في اللغة الايطالية. ترجم القصص باربارا تيرسي. يذكر ان قصص ( بلاسم) قد صدرت في اللغة الانكليزية عن دار كوما بريس في انكلترا عام 2009 وفي اللغة العربية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر

مجنون ساحة الحرية

بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون (افاق) صدرت مجموعة (مجنون ساحة الحرية) القصصية للكاتب العراقي حسن بلاسم عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. يذكر ان قصص (بلاسم) قد صدرت في اللغة الانكليزية قبل اللغة العربية عن دار كوما بريس في انكلترا عام 2009. رشحت المجموعة لجائزة القصة والرواية الاجنبية في صحيفة الاندبندت عام 2010 وكذلك جائزة فرانك أوكنور العالمية في العام نفسه. والمعروف أن حسن بلاسم كما يقول عنه الروائي علي بدر ينتمي إلى إلى تقاليد القصة العراقية، وهي الاعرق في العالم، ويتجاوزها إلى افق انساني غير محدود، وسيتحول في السنوات القادمة إلى واحد من أهم كتاب القصة في العالم.كما أن صحيفة الغارديان قالت عنه: حاد وصادم .. أكثر من متوهج ومروع كي يندرج في تقرير، هذه القسوة والفكاهة الأولية لها وخزات وتقلبات سرعان ما تستقر في أي عقل. يذكر أن مجموعة (بلاسم) القصصية حظيت بمراجعات عديدة في الصحافة العالمية، وستصدر هذا العام 2012 في اللغة الايطالية والفنلندية. تقع المجموعة في 196 صفحة من القطع المتوسط. صورة الغلاف للفنان العراقي ضياء خالد والغلاف من تصميم زهير ابو شايب.

الخميس، 19 مايو 2011

سنة أخرى في خندق عالم غريب


( من مقدمة كتاب صدر في موقع ادب وفن )

عدنان المبارك
رسائلي الى حسن بلاسم محطة عزيزة في حياتي


سبق أن قلت إن حسن بلاسم ليس شاعرا وكاتبا من طراز خاص وسينمائيا مثيرا للإهتمام فقط بل هو من أقرب أصدقائي. و(محاوراتنا ) في الرسائل هي ترياق ناجع لعدد من أحوال المعاناة التي ينبعث دخانها ، وكما دخان البركان ، من داخلي. أنا لا أعرف الكتابة الى حسن بتلك الصورة الروتينية أو ( الإخبارية ) التقليدية ، فكلانا تجاوزهذا الصنف من الطقوس. لا أقول بأن ثمة تطابقا شعوريا وفكريا تاما بيننا نحن الإثنين. أكيد أن للفارق في العمر دوره هنا لكن ليس بالدورالكبير. فأشياء مشتركة كثيرة توميء الى أننا نبحرسوية في تلك السفينة السكرانة الرامبوية ذاتها. محطاتنا في الكتابة ، والفن عموما ، مشتركة. كلانا يستريح فيها برفقة أصدقاء روحيين مشتركين أيضا. ما يشدني بقوة ، الى مراسلة حسن أنه مدرك جيدا لكل ما يخترق حياتي من معاناة دائمة ووعي شقي ومآزق وإحتقانات ، وأفراح لكنها لم تكن أبدا بالكبيرة ...
ثمة هواجس مشتركة لدى حسن و... بيسوا. تخص هي تلك المرارة ، لكن ملؤها الكرامة ، من كل هذا اللايقين ، من هذه الدورة العقيمة بين الميلاد والرحيل بل من الإنتماء الى مثل هذا العالم الذي فرض علينا قوانينه العبثية القاسية وغير المفهومة الى النهاية. ويبدو لي حسن ، في غالب الأحوال ، أنه يكتب إليّ بقلم بيساوائي. فأكثر من رسالة تكاد تقول مع البرتغالي : بدأت ُ أتعرف. أنا غير موجود / أنا ثغرة بين ما أريد أن أكونه وما صنعه مني الآخرون ، / أو أني نصف هذه الثغرة ، فالحياة لاتزال .../ أنا هذا وإنتهى الأمر.../ أطفئوا الضوء ، أغلقوا الباب ، كفوا عن سحل النعال في الدهليز./ سأبقى هنا مع هدوء النفس الذي لايحدّ. هذا هو كون رخيص...
بعض هواجس حسن هو طارئ بحكم التواجد في الراهن من عراقي وغيره ، إلا أن هناك تلك الهواجس التي تتحلق حولها الكوابيس من وجودية وميتافيزيقية. بل بيولوجية: الأرق الذي ينهش صديقي. أرق مهووس بتحدي الزمن ، بل تحجيره بعين ميدوزية. أكيد أنه قاسم مشترك لعين بينه وصديقنا الكبير أميل سيوران. وحتى من دون هذا الأرق لما عرف صديقي طريق النور كما يقال. هو يبحث عنه رغم إدراكه، ولكم هومفجع ، بأن ليس هناك مثل هذا الطريق ، لفا شيء سوى اللا طريق...

ما يشدني أيضا بعوالم حسن بلاسم أنه كاتب لم تتدخل في ولادته قابلة غير مأذونة. وبعدها إبتعد بسرعة عن ( القطيع ). وفضّل أن يكون تلك الجرباء وليس الأخريات التي رُبطت بها البالونات بشتى الألوان والحجوم.

لحسن أكثر من جذر مطلق في جيل البلوغات والتويترات والفيسبوكات وكل ما يعرّي حياتنا العراقية المتخشبة بفعل حماقة وجنون السلطة، أي سلطة ( والمفجع هنا أن جوهر المسالة يخص درجة الحماقة والجنون لا غير ) ، وما جاورها ويزيل أصباغها القبيحة.
الكتابة عند حسن عمل إنفجاري سببّته الحمى ونفاد الصبر، على حد قول سيوران ، وهو يكتب كي يسوّي الحسابات، وتحل الشتائم محل الصفعات وتبادل الضربات. المؤلم كما سكين تطعن كي تصل الى العظم ، هو أن حسن ، وكما أنا ، يكتب كي لاينتقل الى الفعل - وهنا أستعير مرة أخرى كلمات سيورانية - كي يتفادى الأزمة ، وعموما فالحنق ليس رد فعل أخلاقيا بل أدبي . إن كتابة حسن سعي الى تحقيق إستفزاز يعوّض عن كل هذه الإهانات التي تلحقها الحياة والإنسان والرب بنا. وكما قلتُ مرة ، لايبتعد حسن ولو مليمترا واحدا عن الواقع ( الواقعي ) عند الكتابة، و أن كل ما يفعله هو كشفه الفظ للإثنين: سطوح مستنقعات الحياة وأعماقها ...
وهذا هو الرباط المتين الذي يشدنا نحن الإثنين في الرسائل وغيرها

الخميس، 3 فبراير 2011

مجنون ساحة الحرية لحسن بلاسـم







تقديم وترجمة: نجاح الجبيلي
عن صحيفة المدى

حسن بلاسم قاص وشاعر و سينمائي عراقي يعيش في المهجر وقد ترجمت قصصه إلى اللغة الإنكليزية وصدرت في مجموعة بعنوان "مجنون ساحة الحرية" عن دار نشر كوما برس ورشحت المجموعة إلى جائزة أحسن قصص أجنبي في صحيفة الأندبندنت وجائزة فرانك أوكونور الشهيرة وكتبت عنها الكثير من المقالات بالإنكليزية يمكن الرجوع عليها في موقع بلاسم الشخصي www.hassanblasim.com والغريب في الأمر أن الناشر العربي رفض أن ينشرها مجاناً وطلب ثمناً لنشرها. ندعو الالتفات إلى هذه الموهبة القصصية لدعمه مادياً ومعنوياً خدمة للإبداع العراقي.


راجعتها:م.لنكس كوالي
نشرت في 7 حزيران 2010 في موقع"Conversation Quarterly"
مجنون ساحة الحرية تأليف: حسن بلاسم ( ترجمها: جوناثان رايت) دار نشر: كوما برس 93ص

إن المجموعة القصصية الأولى لحسن بلاسم "مجنون ساحة الحرية" توجه نظرة القارئ نحو العنف في التجربة العراقية الحالية: ناس يكتبون التقارير عن جيرانهم ومنظفو شوارع يجمعون أشلاء الجثث ولاجئون يفرّون. لكنها تشير أيضاً إلى نفسها والأوجه المثيرة الأكثر عنفاً في قصّها.
وقد أدرج الكتاب في القائمة الطويلة لصحيفة الأندبندنت لأحسن قصص أجنبي وظهر تواً باللغة العربية. وقد طلبت دار نشر "كوما برس القصص المكتوبة بالعربية " وقام بترجمتها مباشرة جوناثان رايت. لهذا فمن غير المفاجئ أن شخصيات بلاسم لها علاقات واسعة بالقصص التي ترويها ومع القراء الذين تروى لهم.
تركز العديد من قصص مجموعة "مجنون ساحة الحرية" على اللاجئين الذين عليهم أن يحكوا ويعيدوا حكي سرودهم من أجل تسجيلها رسمياً. وهنا يكون الحد بين الحقيقة والخيال مضبباً: يصغي القارئ الغربي إلى قصص لاجئين – يرويها المؤلف الذي فرّ إلى فنلندا عام 2004 – وبذلك يصبح حكماً على صدقها. ولا يمكن الاعتماد على موثوقيتها تماماً فهي تضم ما وراء السرد والكوميديا السوداء والسريالية والواقعية المؤلمة.



من القصة المثيرة "حقيبة علي": مرة كنت أتحدث مع روائي شاب الماني حول بعض تجاربي الشخصية في الهجرة السرية وأفكاري في تحويل ما عشته الى مادة أدبية متخيلة. وعندما جاء دور الشاب الألماني في الحديث أخبرني، انه لم يكتب شيئا يستحق ، وأنه يعتقد بأن صغر سنه وقلة تجاربه في الحياة هي سبب هذا العقم. شعرت أنه كان يريد أن يقول بأنه يحسدني على كل التجارب الحياتية الغريبة والمؤلمة التي عشتها. وبدل أن يمنحني ما قاله امتيازاً ما شعرت بخجل شديد.
يستمر هذا الراوي – الذي ربما يجري الخلط بينه وبين المؤلف- في سرد قصة لاجئ التي هي هزلية على نحو محزن ومؤثرة بشكل عميق. وفي ذروة السرد فمن السهل نسيان أن الراوي يكون قد أخبرنا:
لكن حكاية علي البصراوي، كانت تغويني طوال الوقت للكتابة عنها ، وعلى الرغم من أنها مثقلة بالأسى والعتمة مع مشاهد قليلة من سينما العالم الثالث التي تحاول أستجداء عواطف مشاهدي الغرب، غير انها اكدت لي في كثير من الأحيان شعرية الوجه الانساني المخبأ كجوهرة تحت ملايين الاطنان من زبالة هذه الحياة التافهة.
إن قصص بلاسم غالباً ما تمتلك هذا الحد المزدوج: فهي تقطعك بحياة شخصياتها المؤلمة وتقطعك عن طريق الاعتراف بعاطفتك (سهلة الشراء). وهذا كتاب لا يمكن لريتشارد رايت أن يشكو فيه قائلاً:" حتى بنات المصرفيين يمكنهن أن يقرأنه ويبكين ويشعرن بالاستحسان له".
إذا ما بكيت كما يجب على علاقة علي بأمه أو على مصير اللاجئين في قصة "شاحنة برلين" فمن المحتمل أن لا تشعر بالاستحسان. لا يوجد أبطال في هذه المجموعة. الفنان الجريء في قصة "الملحن" هو أيضاً مجنون. لم يعد يلحن أغاني بطولية عدا السخيفة منها التي تسخر من الدين. ربما يبدو هذا أمراَ يدل على الشجاعة لكن الملحن هو عضو في حزب البعث ويكتب التقارير عن جيرانه. تستحضر قصة "الأرشيف والواقع" علاقة شائكة بين الفن والاضطهاد. فهي تستهل بحادثة خطف يجبر البطل بعدها على الاعتراف علنياً من خلال شريط فيديو. يذاع الشريط ويكون الرجل ممثلاً بارزاً إذ يباع إلى مجموعة أخرى تسجله على شريط آخر وهو يعترف اعترافاً كاذباً. ثم يباع مراراً وتكراراً.
أما الفنان الظالم في قصة "صحيفة عسكرية" فهو محرر الصفحة الثقافية في صحيفة عسكرية. وهو لا يفكر بالجنود إلا قليلاً ويضيف بصورة متكررة لمسات "غنائية" على أعمالهم. لكن أحد الجنود يرسل رواية رائعة مكتوبة باليد. يعلم المحرر أن الجندي مات لهذا ينشر الكتاب ويضع اسمه عليه. ويحصل على إطراءات كثيرة لكن المحرر يغمر بآلاف القصص الجميلة الرائعة التي يرسلها هذا الجندي الذي يفترض أنه ميت.
يبدو بطل قصة "كوابيس كارلوس فوينتس" لا علاقة له بالفن. إنه عراقي منظف شوارع سابق يهرب إلى هولندا. يتأقلم "كارلوس" مع الحياة هناك بصورة كلية إذ أنه لا يريد شيئاً أكثر من أن يلغي تاريخه السابق. يبدو التحول تاماً إلى أن يبدأ دماغه بإنتاج القصص ليلاً. تستمر كوابيس كارلوس على الرغم من المحاولات الوحشية لوقف إنتاج الفن والذاكرة. وفي النهاية يجب أن يقتل نفسه كي يكون حراً.
وخلال مجموعة "مجنون ساحة الحرية" لم يجر البحث عن الفن والذاكرة أو صنعهما بعناية. بدلاً من ذلك يكونان قوتين تهاجمان الشخصيات وتتعقبها وتؤدي بها غالباً إلى الجنون أو الموت.
تبعث المجموعة على الشعور بأنها صنعت بشكل سريع. نهاية قصة "صحيفة عسكرية" عدوانية جداً وهي تروي للقارئ بالضبط كيفية تأويل سردها. وتبدو نهايات القصص الأخرى عائمة. وهذه الاختيارات الأسلوبية تضيف ميزة مختلفة إلى المجموعة وكأن المؤلف وضع القصص بسرعة على الصفحة ثم اندفع بعيداً.
بعد قراءة "مجنون ساحة الحرية" من المستحيل أن نصدق أن صفحات هذه المجموعة تبلغ 93 صفحة. كل من القصص التسع فيها تبلغ بضع صفحات لكنها تنجح في جعل القارئ ينغمر عميقاً في عالم معقد مكون من طبقات وفي الواقع أن هذه القصص دائماً تتجه داخل طبقات ولا تعطي منظور عين الطير. لا توجد فيها تواريخ أو علامات تاريخية أو طريقة للاستفادة من هذه الكتاب "لفهم" العراق المعاصر.
وبدلاً من ذلك هناك قصص وجنون وتلميحات:
لا ينقل الإعلام أخبار قصص الكوميديا السوداء ومثلما لا تصلكم أخبار ما تفعله الجيوش الأوربية الديمقراطية حين تمسك ليلا ، في غابة عملاقة ، مجموعة من البشر المذعورين ، والمنقوعين بالمطر والجوع والبرد.
إن الكتاب لا يجيب بصورة تامة عن هذا السؤال الذي أثير في قصة " شاحنة برلين". فهو ينتقل إلى طبقة أخرى من القصة، طبقة أحرى من الجنون. لكن الأسئلة في هذه المجموعة أكثر من كافية.

الأربعاء، 15 سبتمبر 2010

حسن بلاسم في ندوة أدبية بألمانيا

تنظم مؤسسة هاينريش بيل حلقة نقاش بعنوان ( الأدب العربي الجديد على الويب ). وستقام هذه الندوة ضمن ( مهرجان برلين للآداب ) في الخامس والعشرين من أيلول / سبتمبر من هذا العام. ومن ضمن المساهمين في الندوة الكاتب والسينمائي العراقي حسن بلاسم الذي سيتحدث عن تجربته كقاص ومشرف على مدونته النتية الخاصة ومشارك في الإشراف على موقع القصة العراقية
http://www.iraqstory.com/


للاطلاع على موقع مهرجان برلين للآداب
www.literaturfestival.com

...........
نشر الخبر في العديد من الصحف والمواقع على شبكة النت

مجنون ساحة الحرية، رشحت لجائزة فرانك أوكونور

ضمن 57 مجموعة قصصية لكتاب من 12 بلدا رُشّحت المجموعة القصصية ( مجنون ساحة الحرية ) للكاتب والسينمائي العراقي حسن بلاسم ، لنيل الجائزة التي تحمل إسم الكاتب الإيرلندي الكبير فرانك أوكونور. ويأتي الترشيح في إطار المهرجان العالمي للقصة والذي تنظمه سنويا مدينة كورك مسقط رأس أوكونور. وقد سبق أن رشحت قصص حسن بلاسم لجائزة صحيفة الإندبندنت اللندنية. وتضم المجموعة إحدى عشرة قصة.
تعد جائزة فرانك أوكونور من أقدم و أكبر الجوائز العالمية المخصصة للنتاج القصصي . و ستعلن ( القائمة القصيرة ) للمرشحين الستة في أوائل شهر تموز المقبل.

للمزيد عن الجائزة
FRANK O'CONNOR SHORT STORY AWARD
http://www.munsterlit.ie/FOC%20Award%20page.html

............

نشر الخبر في العديد من الصحف والمواقع على شبكة النت

الجمعة، 9 أبريل 2010

قصص حسن بلاسم مرشحة للفوز بجائزة الإندبندنت



أدرجت مجموعة الكاتب العراقي حسن بلاسم ( مجنون ساحة الحرية ) والتي تشمل إحدى عشرة قصة ، ضمن خمسة عشر من الكتب المترجمة الى الإنكليزية والتي ستختار صحيفة الإندبندنت اللندنية المعروفة ستة كتب منها للفوز بجائزتها.
وكانت هذه الجائزة قد منحت للمرة الأولى في عام 1990 الى التركي اورهان باموق . وقد حصل على الجائزة كتاب من مختلف انحاء العالم بينهم ميلان كونديرا و خوزيه ساراماغو وكورت هوفمان.
وجائزة هذا العام تعتبر حدثا مهما للأدب العربي، فقد إختير أربعة كتاب للقائمة الطويلة ، وهم الياس خوري و حسن بلاسم و بهاء طاهر ورفيق شامي الذي يكتب باللغة الالمانية.
وهذه الجائزة مخصصة للأعمال السردية ( روايات وقصص وغيرها) المترجمة الى الإنكليزية والمنشورة في العام الذي يسبق منح الجائزة. والشرط الاخر هو أن يكون الكاتب على قيد الحياة أثناء الترجمة والنشر.
وهي تمنح لكل من الكاتب والمترجم. وستعلن أسماء الكتب الفائزة في منتصف شهر نيسان المقبل.

للمزيد حول ما كتب عن مجموعة ( مجنون ساحة الحرية ) في الصحافة الانكليزية :
http://hassanblasim.blogspot.com/
..................


نشر الخبر في العديد من الصحف والمواقع على شبكة النت

الأربعاء، 18 نوفمبر 2009

سلخ الوجود في ( أبراج الوحدة ) لحسن بلاسم






عدنان المبارك

في كل نصوصه يتكلم حسن بلاسم بحنجرة مسدودة عن ( الطوفان ) لكنه لاينطق أبدا بتلك ( من بعدي ... ). إنه مشغول بعذابه ومأزقه مما لايعني أنه لا يكترث للوضع البشري العام ، فهو واقف على خشبته أيضا. والأكيد أن عذابه الشخصي غير محروم من حالات للتماثل مع العذابات الأخرى. إذ أن المصدر واحد هنا : العالم الخارجي. الأمر يخص سبل الطرح ، فحسن يستعين بكل حواسه الخمس التي تمهد الطريق لمخيلة توقظها الدهشة و الصدمة عند التعامل مع واقع ملموس ضاغط بل ساحق الى حد اللعنة. إنها مخيلة كاميرا شرسة إن صح القول.كاميرا بالغة الحساسية يطوف حسن بها في كل مكان تجري فيه فصول جديدة من محنتنا - محنة القذف القاسي في عشوائيته ، في زمكان ُفرِض علينا مع سبق الإصرار.
لاشيء نموذجيا و ليس هناك إلا القليل من الإنساني في عالم الإنسان ، ولا في ممكلة الرب أيضا. والمسألة تقتصر على أن هذه الكاميرا – المخيلة تأخذ بإنتقاء صور وتداعيات وتيارات وعي تحدث هنا والآن وليس في بقعة أخرى من الكون. وبحكم معرفتي بحسن و فنّه ، هو ينفر من وضع ماكياج تفاؤل مضحك أو تصنّع حشمة زائفة. لاشيء في وجهه سوى ما تركته اللعنات المُنزَّلة - تلك البصمة، بصمة إبهام شيطان أو رب حليف له. فهذا الفنان الذي يصارع الإثنتين – اللغة و الصورة الفلمية ينفر من كل خداع للنفس و للآخرين أيضا. إنه عار ٍ ، وبراءته في عريه، وما يفرقه عن الآخر العاري - الوليد الذي قطعوا حبله السري قبل لحظات ، هو أن في داخله قد مات أكثر من إنسان وبعد أن تعذب طويلا. لانرى هناك حديقة غناء بل و لاشتلة ورد واحدة ولافرقة إنشاد جيء بها لتمجيد الإنسان و الرب. بالأحرى هناك مسلخ تطوف فيه كاميرا لا تسجل فقط بل ترفع إصبع الإتهام للعالم الذي جرّ هذا الفنان الى ورطة تشبه ولا تشبه ورطات الأخرين. وما يدفعني الى الإستغراب أن بعضهم إختلط عليه الأمر ولايفقه ما المقصود من فن حسن بلاسم الذي صار هاجسا لديه سلخ الجلد كي يرى ما تحته من نبض للحياة و إحتضار بطيء أو سريع لها.
واضح أن حسن يستغل أكثر من ( موتيف ) من أداب و فكر وميثولوجيات تبقى غريبة على ذلك البعض. هناك موتيف التشاؤم التأريخي ، الشعور بالتراجيدي على خط هيراكليت - هايديغير ، ومنذ سوفوكليس الى شوبنهاور ، فكل هؤلاء هم ممن أدمنوا على التحديق في الصورة التراجيدية للعالم. واضح أن تضاريس الصورة تعكس هشاشة الوجود ووقتية حياة الإنسان الذي يناور واقعها بتكثيف أفعاله وقيامه بأكثر من محاولة مضحكة لمنحها المعنى. و في كل مرة حين أقرأ نصوص حسن يخيل إلي أنه يقف وراء ستارة شفافة و يطلق قهقهة أو شتيمة على تلك اللعب التي إخترعها الآخرون : مستقبل وضّاء ، جنّة الخلد ، إنتصار العقل و المعرفة ، دحر رهبة الوجود بدوغما الخلاص الديني والأخرى عن خطيّة وتقدم التأريخ ، إزاحة الموت جانبا وكأنه ليس تكملة منطقية وأيّ كان عبثها. واضح أيضا أن حسن لايفارقه غيظه في رحلة اليومي التي يعود منها ملطخا بوحله الذي يصوّره ، وهو محق ، كوحش يهمّ بإفتراسه لكن جزءً بعد جزء. أكيد أن المبعث الآخر لهذا الغيظ هو أفعال العالم الأخرى بل صورته التي رسمها مرة أميل سيوران حين قال بأنها صورة عالم لا يملك فيه أيّ أحد حق المواطنة. في الحقيقة يدرك حسن عجزه عن ( ترويض )كوابيسه أو ركنها في زاوية فلربما تزوره الأحلام التي يغيظه ندرتها ، ولربما هي بالغة المكر وتتخفى في تلك الكوابيس...
لايخفي حسن أبدا إشمئزازه من الحياة. وشأن سيوران يجد أيضا دفقة كبيرة من الإنعاش ، ولكي يواصل حمل الصليب ، في هذا الإشمئزاز الذي يدفعه الى رسم علامة المساواة بين الظفر في الحياة والخسارة. فكلتى النتيجتين هنا تسبب له الصداع و الأرق ، إذ ليس هناك من تراجيديا واحدة كأن تكون تراجيديا الجسد ، هذه القارورة الهشة التي كان من الخطأ صنعها للإنسان. ومع كل خطوة يخطوها حسن تنخسف تحت قدميه أرض هذا الواقع المألوف و الأليف. و إذا كان سارتر قد وقف طويلا عند الشرخ القائم بين الوجود و العدم نجد أن شكاية سيوران الذي ينصت حسن الى صوته الذي خنق اليأس كل نغماته ، هي من شرخ آخر : القائم بين اللغة و الواقع. الحال هكذا عند حسن : الواقع يسحق بثقله الخرافي اللغة. وهذه الحقيقة ، وكما الزيت الملقى في النار ، تزيد من حنق حسن و إحباطه ( ولهذا قلت في المستهل عن حنجرته المسدودة ). وهذا الشاعر البالغ الحساسية لايخدع النفس بالحلم بحياة أخرى توفر ولو قدرا متواضعا من القناعة و السكينة. لا رجعة هنا عن الحكم الصادر : أن يسير هو على هذه القنطرة غير المتينة والممدودة بين حياة كهذه و موت مجهول. كهذه ؟ يبدو لي أن حسن لايريد في شعره ونثره مصيرا سيزيفيا ولا أيوبيا أيضا. إنه ضد دفع الصخور وضد الإختباء وراء صبر ٍ إرضاء ً لرب يفاجيء بشره على الدوام بعبثياته. حسن يذهب الى اليومي حانقا و يعود منه حانقا أيضا ـ فدورة الزمن هي الدوامة الأكثر قسوة: إنه إرهاب الزمن و الوجود. وضحيته الأولى هو الإنسان الذي صار عند شاعرنا محض حواس متنقلة تتسرب الى كل الأماكن ، المقدسة منها والموبوءة . واضح أن شعر ونثر حسن لايملكان ولو ذرة ثقة بالإنسان و لاذرة طمأنينة لحضوره الذي جاءت به بضع مصادفات لما قبل التأريخ ، بل قد لا تبتعد عن مخيلته المحمومة صورة أخرى للحيوان العاقل : أن يكون باكتيريا تتكاثر عشوائيا غير مكترثة بالموت طالما أنه لا ينهي وجودها المحروم ، في الأساس ، من الغائية ، أو من الأنسب القول : أميبا من الحقبة الباليوزويكية، تلك الهيئات – الأصل التي يسهل عليها مقاومة ذلك الإرهاب – إرهاب الزمن والوجود ، حين تنشطر متكاثرة الى ما نهاية...
حسن يدير ظهره لشتى صنوف الرومانسية و الغنائية وتلك العاطفية التي صارت لغة أخرى و ليس لدى شعرائنا وحدهم ، فلكم من قصص وروايات بل نقود تنضح بما في هذه الأوعية الأدبية الصدئة ! بدل هذا كله يسجل هو بالصورة المباشرة التي لاتخلو من العنف ، سقوطه اليومي. ويندر هنا أن يحقق ولو قدرا بسيطا من التآلف مع النفس و العالم و الآخرين. فالجرح عميق ولامكان هنا للكلام عن هدنة ما في مثل هذا القتال اليومي. العالم مطبق وساحق بكلى نوعي صخوره – المرئية وغير المرئية.
تناطح لغة حسن بلاسم الأخرى - المعجمية ، بل يبدو الأمر كأن هذه تريد أن تقمع غضبه و إشمئزازه ، ومن هنا هذا الهجوم كتاكتيك دفاعي. إنه إنفجار الغيظ بل الشعور المفجع بأنه محاصر و مُدان بسبب ذنوب لا يعرفها ، مما يدفعه الى الأخذ بالفيزيولوجي ، بتلك الكلمات والصور التي لا تخدش إلا سمع المرائي الذي يتظاهر بأنه لا يعرف أي شيء عن وظائفيات جسده. ولكان كل شيء على مايرام لدى المرائين لو كف حسن عن التنقيب في قعر الفيزيولوجي و صعد الى أعلى كي يعثر على ما يوائم ذلك السمع. وفي الواقع تكون ثانوية ًمسألة ُإستخدامه تلك الكلمات ، لكن لدى بعضهم تكون كل حجة مقبولة في المحاولة الرخيصة : تجريد مؤلف مثل( أبراج الوحدة ) من قيمته ومرتبته.

حين أقرأ لحسن بلاسم يتضاعف يقيني بأن الكارثة قادمة. وهي ليست حربا بين البشر أو غضبا للطبيعة فاجأنا ، بل كارثة من نوع آخر أخذت تتسلل الى دواخلنا منذ أقدم العصور ، وكما الأفعى تزحف ببطء الى أن تحين لحظة اللدغة المميتة. واضح ان حسن لا يلهو هنا بتمثيل دور المتنبيء لكن كل مناخات ( أبراج الوحدة ) توميء الى حتمية تلك اللدغة. و دفعا لسوء الفهم علي التأكيد بأن حسن لا يرى في فواجع العراق فصلا منفصلا عن الفواجع الوجودية الأخرى ، فتأريخنا الأحدث بأنظمته وحروبه العبثية تمضي مع الأخرى في ذات المجرى لأحد أنهار هاديس الميثولوجية ، وليكن هنا نهر ليثه الذي يحلم حسن ، وكما أنا ، بشرب مائه كي نفقد الذاكرة تماما …
إن كتاب ( إبراج الوحدة ) ليس إعلانا عن ولادة شاعر عراقي أصيل فقط بل ولادة كاتب يشق دربه المتميز عند التعامل مع كلى صنفي همومنا : المعاصرة والأخرى الوجودية.


* نشر كتاب ( ابراج الوحدة ) في شبكة النت في اكثر من موقع ولم يظهر في كتاب ورقي، بسبب رفض الكاتب طرق دور النشر العربية في المطالبة بأجور الطباعة والنشر.


باندهولم – ايلول 2009

الثلاثاء، 11 أغسطس 2009

مجموعة قصصية لحسن بلاسم بالإنكليزية







صدرت مجموعة تحوي إحدى عشرة قصة للكاتب والشاعر والسينمائي العراقي حسن بلاسم ، بعنوان ( مجنون ساحة الحرية ) بالإنجليزية عن دار (كوما بريس ) في العام الجاري ، وقام بالترجمة جوناثان رايت الذي كان قد درس اللغة العربية في جامعة أوكسفورد في السبعينات وقضى 18 سنة مقيما في البلدان العربية كصحفي ومراسل لوكالة رويترز. وكان عمله الرئيسي في حقل الترجمة من العربية كتاب ( تاكسي ) لخالد الخميسي والذي نشرته دار ( أفليم بوك ) في العام الماضي ولقي الرواج.
ومما جاء في كلمة ناشر قصص حسن بلاسم أنه بدءا بصانعي فيديو الرهائن في بغداد وعملية التهريب عبرغابات صربيا ، والبارانويا المؤسساتية لأعوام حكم صدام حسين ، الى كوابيس المنفى ومحاولة التشبث بحياة جديدة في أمستردام... تقدم قصص بلاسم مشهدا لامهادنا لعلاقات الغرب مع العراق على إمتداد أكثر من عشرين عاما ، متناولة كل شيء بدءا بالحرب العراقية – الإيرانية ثم الإحتلال. كما تطرح تجربة اللجوء من فترة ما بعد تلك الحرب. ونلقى في هذه القصص مجازا معهودا يصاحب الواقعية التأريخية.
وفي كلمته يوميء الناشر الى ( صدمة ) القراء حين يشهدون في هذه القصص نوعا من كوميديا راسخة للمروِّع ، فالقصص تتصرف بكلى الواقعين : الوهمي والفعلي المصدم. وبلاسم ينقعهما ، بطلاقة ، في كابوسه الشخصي. ثمة تأكيد في القصص على روح المواجهة في خضم كل هذه الصور للحرب أو جنون المستفيدين منها ، كما هناك شجاعة هذه القلة من شخصيات القصص والتي حافظت على الإيمان بما بقي من العقل البشري.
كمايقدم الناشر بطاقة تعريف بكاتب هذه القصص منوّها ً ، بشكل خاص ، بعمله كمخرج سينمائي وسيناريست. ويذكر أيضا أن أول قصة لبلاسم مترجمة الى الإنكليزية ظهرت في مجموعة القصص التي قامت دار ( كوما بريس ) بنشرها في عام 2008 تحت عنوان ( المدينة : قصص عن مدن من الشرق الأوسط ).

*

يمكن الحصول على المجموعة من موقع دار النشر او مكتبة الامازون
http://www.commapress.co.uk/?section=books&page=MartyrsBridge




الاثنين، 23 فبراير 2009

فيلم حسن بلاسم (حياة بسرعة الضحك )



ضمن برنامج ( السينما الجديدة ) يعرض في الخامس عشر من هذا الشهر على القناة التلفزيونية الفنلندية الاولى ، فيلم تجريبي قصير بعنوان ( حياة بسرعة الضحك ). الفيلم من فكرة واخراج الكاتب والسينمائي العراقي حسن بلاسم المقيم في فنلندا. ويتناول الفيلم الذي يستغرق عرضه أكثر من عشر دقائق ،بأسلوب تجريدي تجربة إنسان يتلقى أخبارا ومضامينا أخرى من الصحف اليومية . ويعتمد الفيلم على تخيل مضمون الخبر كأصوات أثناء قراءته . فنحن لانشاهد قراء الصحف في القطار الذي تدور فيه أحداث الفيلم ، وهي أحداث غير مترابطة تتراكم من خلال المؤثرات الصوتية التي تتعلق بكل خبر ( مثلا أصوات من لهاث مضاجعة جنسية ،ومن طائرات حربية وخطب ساسة ومظاهرات وطوفان و جرائم وحوادث غرق وضحك ومن دور عبادة إلخ ) . والقطار في الفيلم ، هو بمثابة قطار أشباح صوتية ، وبشر تحولوا الى شهود مقيّدين بوهم مايقرأونه، ومن خلال معالجة بصرية تظهر للقراء ـ المسافرين تلك الأشباح محض ظلال على زجاج نوافذ القطار و أشياء صغيرة أخرى ، مثل مساند المقاعد. وتختلف سرعة الظلال حسب مصدر الاصوات. انه قطار محمل بالعجز ينتهي بالوصول الى المحطة الاخيرة ، ليجمع المنظف الصحف من فوق المقاعد ، ويلقي بأصوات الشهود ، أي لهاثهم ومخاوفهم وصراخهم ورصاصهم ، في حاوية الزبل. و في الفيلم لم يستعن المخرج بممثلين ولا بأجهزة إضاءة ، كما وظفت في الفيلم موسيقى ساخرة تبدو كأنها تتحكم بسرعة قطار مطالعي الصحف هؤلاء...

وقد ألف حسن بلاسم كتبا وأخرج عدة أفلام قصيرة في فنلندا وبغداد والسليمانية . وله مجموعة قصصية بعنوان ( طفل الشيعة المسموم ) ومخطوطة قصصية يعدها للنشر بعنوان ( الإرشيف والواقع ). و ينشر بلاسم نتاجه في أكثر من صحيفة ومجلة وموقع الكتروني مختص بالشعر والسينما والسيناريو. كما يشرف على موقع الفيل السينمائي الذي يعنى بالسينما العراقية ، ويسهم بالاشراف على موقع القصة العراقية.

رابط برنامج السينما الجديدة المخصص للافلام التجريبية


الأربعاء، 12 نوفمبر 2008

حسن بلاسم في مجموعته القصصية : طفل الشيعة المسموم



شهر تشرين الأول الماضي نشر موقع ( القصة العراقية ) الألكتروني المجموعة القصصية الأولى للكاتب والشاعر والسينمائي العراقي حسن بلاسم. وجاءت المجموعة بعنوان ( طفل الشيعة المسموم ). وحوت خمس عشرة قصة كتبها بلاسم في الأعوام الأخيرة. وفي مقدمة المجموعة التي كتبها عدنان المبارك جاء التأكيد على أن قصص بلاسم تمثل تيارا متفردا في الأدب العراقي خاصة. وهو تيار جديد لم تعرفه نتاجات العقود الماضية. كما نقرأ في المقدمة أن قصد حسن بلاسم، شأن ممثلي هذا التيار الآخرين ليس الإثارة وخرق المحظور تطمينا لرغبة غير صحية تنحو صوب فضائحية رخيصة . و قد يعزز بعض المظاهر مثل هذه الشكوك لكنها مجرد مظاهر خادعة . جاء في المقدمة أيضا: (إن قصص حسن بلاسم، شأن كتاباته الأخرى من شعر وسيناريوهات وغيرها، شبيهة كل الشبه بما يفعله مشرط الجرّاح وهو يحزّ في الإنسجة الحية ويفتح أوعية الدم، كن الغرض، هنا، ليس تفريغا لقسوة أو تطميناً لسادية ما. الغرض هو فتح نوافذ للتهوية وطرد كل هذا الهواء الفاسد الذي يخيل لنا أنه قد جاء من عصور الديناصورات وبقي راكدا في الرئة والنفس والذهن. ومن الواضح أن عملية كهذه لا تخلو من العنف والإزاحة الفظة لما ُبلي من الستر وحجبَ َالحياة الحقيقية التي يصعب تهميشها في بعد واحد حسب.

حسن بلاسم لم يقطع بعد أشواطا طويلة في دربه القصصي. إلا أن إنجازه يدفعنا جميعا، عدا المكابرين والآخرين المدمنين على إستنشاق ذاك الهواء الفاسد، الى الإعتراف بقدرته السردية وخصوبة مخيلته الفنية. كما يسهل ملاحظة هذه الصيغة من التضافر أو التكافل بين القاص والسيناريست والفنان الواقف وراء الكاميرا السينمائية. فهذه القصص جاءت ثمرة لتعامل خاص يمارسه الإثنان : القاص والسينمائي. وعليه يكون خلق الصور وإنثيالها بمثل هذه الوتائر هو نوع من التلقيح الناجح لأداتين في الفن : اللغة والكاميرا. بالطبع هناك صيغ في الكتابة القصصية جاءت بها كل فتوحات الأدب الحديث ، منذ أزمان ما قبل جويس وبعده أيضا ، وأصبحت بالغة الشيوع في آداب العالم . وواضح أن التيار الذي يكون حسن بلاسم أحد ممثليه قد أخذ بهذه الصيغ مما يكون أمرا بدهيا لايبتعد عن طبيعة الاشياء. ومفهومٌ أن المهم هو الفعل الفني وليس ساحته ...

إن هذا الصنف من القصة لا زال يافعا ، وإن لم يكن وليدا، في أدب المشرق العربي خاصة. ولا حتاج الأمر الى إفراط في التفاؤل إذا قلنا إن قصة حسن بلاسم ستغتني بتجارب أكثر نضجا كي تسهم بجدارة في تمثيل قصة عربية جديدة عن حق).

الاثنين، 20 أكتوبر 2008

قصص مدنٍ من الشرق الأوسط







مدينة: قصص مدنٍ من الشرق الأوسط


كتاب جديد لجمانة حداد صدرت أخيرا في انكلترا لدى دار "كوما بريس" انطولوجيا محورها المدينة بعنوان "مدينة/ قصص مدن من الشرق الأوسط"، من إعداد الشاعرة اللبنانية جمانة حداد وتقديمها. القصص القصيرة المختارة والمنقولة للمرّة الأولى الى الانكليزية (مجموعة مترجمين) هي ملك لأصوات أدبية حديثة البزوغ ولأخرى مخضرمة، كتبت قصصاً تدور في عشر مدن مختلفة في منطقة الشرق الأوسط، وتضم كلاّ من نديم غورسيل (قصّة اسطنبول) وجمال الغيطاني (قصّة الاسكندرية) وفدوى القاسم (قصّة دبي) وعلاء حليحل (قصّة عكا) وحسن بلاسم (قصّة بغداد) ويوسف المحيميد (قصّة الرياض) والياس فركوح (قصّة عمان) ونبيل سليمان (قصّة اللاذقية) وجمانة حداد (قصّة بيروت)، والكاتب الاسرائيلي التقدمي اسحق لاوور (قصّة تل أبيب).


سوف يتم إطلاق الكتاب في بريطانيا بين 17 و21 تشرين الأول 2008، في إطار جولة من القراءات والتوقيعات تشمل أربع مدن مختلفة هي لندن ومانشستر وإيلكلي وتشلتنهام، في حضور جمانة حداد يوسف المحيميد وحسن بلاسم.

الخميس، 1 مايو 2008

كلمة عن اخلاء سبيل الشعر










إن كل كتابة حماسية أو عدائية عن الشعر هي مجرد محاولة للغناء. احتفاء موسيقي بالشعر. ولا أورد هنا كلمة ( الغناء ) محملة بتلك النبرة الإستهزائية ، أو مطعّمة بذلك الاثر الرومانسي الذي تتركه هذه الكلمة حين تطلق بوجه من يريد استخدام دماغه في معالجة قضية ما؛ بل أوردها هنا كما هي ، نقية ، كثمالة حزن أو نشوة ، رقصة بالحبال الصوتية والكلمات. وليست كشتيمة مثلما يحب بعضهم تحوير جوهرها الكريم الى خبث مقصود. من هنا اعتقد أن افضل حالات الكتابة عن الشعر ( أكاديمية أو إنطباعية أو فوضوية ) ليست إلا طقوس غناء ، رائعة تارة و مقرفة تارة أخرى، تقام في حلقة حول جوهر النار ( الشعر). واذا ما افترضنا ان المغني ( الناقد ) كان ماهرا ، فلكان بالتاكيد يطربنا ، ولو كان متشنجا ، لأزعجنا. لكن لو صعد المغني الى الخشبة وبدل الغناء أخرج من جيبه رزمة من الاوراق وراح يخطب في الجمهور بحماس وهو يعدد لهم ما يجب ان يكون عليه الغناء ( الحقيقي) في هذا اليوم أو الغد أو بعد مائة عام ، لما كان بوسعنا في هذه الحالة غير مغادرة الصالة وترك المغني فوق الخشبة يهذر وحيدا في الظلام. وكان أوكتافيو باث مراوغا وأكثر حذرا في كتابه ( الشعر ونهاية القرن ) من ان يتورط في كتابة دينية تبشر بالنهايات أو البدايات ، رغم أنه عجز عن التخلص من إغواء التنبؤ ...

مع ذلك فالرجل أراد التنبؤ ، وببالغ الحذر ، بطبيعة رائحة الشعر ( القادم ). بإعتقادي أن الفنون الكتابية ، و الشعر خاصة، لايمكن سجنها في غرفة غاز. فالشعر اكثر النباتات حساسية وتعرضا للذبول اذ ماصبت عليه سموم التنظير. واخلاء سبيل الشعر من زنزانة التنظير أكثر نبلا من تعذيبه بالهلوسات أو المساطر الاكاديمية. وحتى انتشار الشعر الرديء لا أظنه يبرر الغضب الذي يؤدي الى كتابة لائحة بوليسية بمهام الشعر أو كتابة بيان إنقلابي كوميدي ، كما لا تبرر الاحداث الدامية ولا الزلازل ولا حتى خروج الله من قمقمه من تعليق بوصلة ٍ في رقبة الشعر. فقد ُخلق الشعر ليكون دخانا . ولايوجد دخان من دون نار. وأظن أن للأرض ما يكفيها من براكين وحرائق مرعبة. إن مثل هكذا حقائق شعرية متواضعة يكفي لكي يواصل الشعر مهمامه و يحقق الخلود . يقول اوكتافيو باث في كتابه المذكور إن شعر الغد لن يكون مختلفا عن شعر اليوم ولا الماضي، ولن تكون مهمة الشعر تقديم افكار جديدة بل الاعلان عما تم نسيانه ، بعناد ، طوال قرون. ان الشعر ذاكرة تحولت الى صور ...

وأنا أقف بحب الى جانب رأيه هذا . لكن "باث" نفسه سرعان ما يبدأ بعد ذلك بالتغني بالشعر. ولاتخلو صفحة من كتابه من مثل هذه التعابير الشعرية ( الشعر هو نفخة من الهواء ... تعويذة لفظية ... مخلوقات برمائية .. رذاذ من الصور الذهنية ). ولأنه يعجز حين يبلغ النشوة في حديثه عن الشعر ، عن استخدام لغة موضوعية ، يلجأ الى الغناء . مثلما نعجز اثناء بلوغ الذروة في الممارسة الجنسية عن التعرف على أنفسنا ونكتفي باطلاق آهات غنائية لاغير... ولو جمعت كل ماكتب عن الشعر بمثل هذه التعابير، لأحتجت بلانهاية الى مجلدات ضخمة. وكل مثل هذه المجلدات هي أغنية تصدح بحنجرة واحدة عملاقة. هي كرنفال موسيقي صاخب للاحتفاء بآلهة الشعر.

بالطبع أنا لا أطالب هنا -بنبرة حاسمة ومثل رجل معمم أو لاهوتي مازال محنطا منذ العصور الوسطى- بعدم الكتابة عن الشعر ، فكل مطالبة مصحوبة بنيّة وديعة خاشعة هي محاولة فارغة بل هي شهوة لاهوتية حقيرة. يمكننا بالطبع أن نغني ونحتفل ونصفق ونرقص حول نعمة وجمال أيِّ نار مدهشة. فما عسانا نفعله على هذه الأرض غير إقامة الطقوس رغم اننا نوغل في اقامة الوحشية منها كي نريق الدماء ونزهق الأرواح . لكني أريد التحريض ، شأن الكثير من الكتاب الآخرين ، على الحذر والتردد طويلا قبل التوغل في مهمة الكتابة عن الشعر. فما نقرأه في الكتابة النقدية العربية حول الشعر هو غالباً ما يكون مثبطا ومثيرا للسخرية ، وخاصة ما يكتبه اولئك المغرمون بوضع اللوائح التعليمية أو إستثناء مجموعة من الشعراء. أما وضع نظرية صارمة أو مخطط لمهام الشعر ، فهو مثل محاولة صب قوالب إسمنتية لروح الإنسان. أظن أن أكثر نقاد الشعر ريبة ، هم الذين يطالبون الشعر بأن يتقدم ، فكما يقولون في كل مرة إن العصر يختلف عن سابقه. وهنا لايمكنني الا ان اورد كلمات ارنستو ساباتو، واظنها تكفي علما بأنها تخص عموما جميع الفنون:

( هناك في جميع الأحوال تقدم في الفكر الخالص وفي العلوم ، وليس في الفن. الفن لا يتقدم. والسبب ان الاحلام ذاتها لا تتقدم : هل كوابيس عصرنا افضل من كوابيس عصر يوسف التوراتي ؟ إن رياضيات آينشتاين تتفوق على رياضيات أرخميدس ، ولكن عوليس جويس ليست أسمى من عوليس هوميروس ...)

و بالإمكان إيراد الكثير من الامثلة عن شعر الماضي وشعرالحاضر بطريقة ساباتو . ربما لايشجع حديثي هذا حول التردد في الكتابة عن الشعر وتقنين مثل هذه الكتابات ، اولئك المشتكين ابدا من شحة الكتابات النقدية العربية حول الشعر رغم إرتيابهم من شكواهم هذه . فجولة بسيطة في مواقع شبكة النت الادبية تكشف عن الكم الهائل من الكتابات عن الشعر والشعراء. لكن الجميع يعرف بأن كل أمور الأدب وقضاياه لاتتعلق بالكم. فماذا تعني كل هذه الكتابات الاحتفالية في نقد الشعر العربي. يمكنك أن تضع إسم أيّ شاعر أو عنوان قصيدة بدل ما أختاره الناقد في مراجعته النقدية أو إنطباعه ، وستجد حينها ، وبكل بساطة ، أن " أغنية " الناقد تتوجه الى جميع الشعراء و القصائد. وماذا يعني تعبير مثل : أن القصيدة لامست الجرح الكوني وأن كاتبها استطاع أن ينتشل أرواحنا من القاع ؟ ألا يصلح مثل هذا التعبير لكثير من القصائد والشعراء في كل زمان ومكان ؟ حسنا ، ربما يصلح مثل هذا التعبير كمقدمة افتتاحية مثل مقدمة السور القرآنية ( بسم الله الرحمن الرحيم ) لكن أن يواصل الناقد كتابة مقاله حتى النفس الاخير بمثل هذه التعابير ، فهو كمن يكتب سورة بكاملها لا تحوي الا هذه المقدمة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ويلوك تعبيرا وفكرة واحدة منذ بداية الأغنية حتى نهايتها. إنه يريد أن يصيب الهدف لكن يده ترتجف أو انه يجهل فن الرماية ، لهذا يبالغ في شد الوتر وبعدها يخطيء الهدف.

أظن أن ورطة الكتابة عن الشعر بحاجة الى الكثير من الصدق ( المنقرض ) مع القليل من الحماس والذكاء. وعلى ضفة الموضوع الاخرى يبدو أن جمعيات المدافعين عن الشعر لاتختلف كثيرا عن جمعيات المدافعين عن البيئة : تكون مخاوف أنصار البيئة مشروعة امام كل هذه الغازات السامة. أما بيئة الشعر فمن دواعي الفخر والاعتزاز بالطبع أن يكون لها حماة ، لكن من دون مبالغات دكتاتورية ، فالشعر (الرديء )، في أفضل وأسوأ حالاته ، هو محض محاولة ساذجة لمحاكاة الاوكسجين الشعري الذي نستنشقه باعجاب ومحبة ! أي مانسميه بالشعر ( الصادق ) أو ( الحقيقي ). و أنا أفضل قراءة قصيدة ( رديئة ) على مراجعة نقدية ( رديئة) حول قصيدة ( جيدة ).

إن ازمة الشعر العربي في عنوانها العريض تكمن في القارئ الذي داسته جيوش الظلام والتخلف وكتمت أنفاسه. أما ما يخص أزمات الشعر الاخرى ، الشكلية منها والوجودية فنحن نشارك هنا ونتقاسم هموم الشعر والشعراء في كل بقعة من الارض. لكن الكتابة عن الشعر بحناجر غليظة أو صدئة لا تفعل شيئا آخر سوى مضاعفة أزمة الشعر و تلقي عليه أثقالا أخرى لسنا على استعداد لحملها الى العديد من المستنقعات العربية التي نحاول او ندعي اننا نريد أن نجتازها.

و أنا الآخر أغني أيضا :

( الشعر نهر لا تنزل فيه مرتين )

ولهذا يمكن القول إنه في كل صباح و مساء وفي كل عاصفة وفي كل سلام وفي كل طاحونة وفي كل حقل وفي كل لحظة هناك للشعر جديدٌ !

ومن دون الحاجة الى الوقوف عند النهر ومطالبته بأن " يتقدم" او "ينزع جلده" !

الشعر افعى تنزع جلدها وتجدد حياتها من دون ان تصدر لها الأوامر من ملوك الغابة ومبشريها.

وفي الأخير ماذا تريد من هذا النهر الخالد، أن يصبح محيطا مثلا !




2007 ـ هلسنكي


ميت في طبعات











بقلم : يوسف ابو الفوز




صيف هذا العام ، عرض التلفزيون الفنلندي ، القناة الاولى ، ولمرتين خلال شهر حزيران ، فلما وثائقيا قصيرا ، 18 دقيقة ، تحت عنوان " ميت في طبعات " ، اثار انتباه المشاهد الفنلندي والنقاد الفنيين ، واختاره التلفزيون الفنلندي ليساهم في تمثيل فنلندا خريف هذا العام في مهرجان اوربي للفلم القصير ، الفلم حمل توقيع المخرج وكاتب السيناريو : حسن بلاسم .حين ترك حسن بلاسم مدينة بغداد بأتجاه كوردستان عام 1998 لم يصطحب معه ، غير رزمة اوراق وحقيبة لا تتسع سوى لملابس رحلة ليوم او يومين ، لكنه سرعان ما حمل في كوردستان اسما مستعارا كورديا ، وعرف به خلال اقامته المؤقتة وعمله هناك : "أزاد عثمان " ، ولم يكن ذلك سوى ستارا لحماية عائلته في بغداد من بطش النظام الديكتاتوري . بعد الاستقرار المؤقت في كوردستان ، غادرها الى تركيا ، ومن ثم عبر حدود دول اوربا الشرقية ، عن طريق الهجرة الغير شرعية ، حين حمل مرة اخرى ثلاثة قمصان وبنطال واوراق . عاش خلال هذه الرحلة حياة تشرد قاسية اكلت من عمره حوالي عامين ، وخسر على اثرها ثلاثة اصابع من يده اليسرى. شلت. بعد ان التهمتها ماكنة في مطعم ، كان يعمل فيه من اجل جمع اجور مهربين البشر والاحلام عبر حدود الارض ، ثم جاء الى فنلندا محملا باحلام السينما والكتابة ، وليقيم فيها من حوالي عامين ونصف . حسن بلاسم لمن لا يعرفه ، سينمائي وكاتب عراقي ، من مواليد بغداد 1973 . دخل اكاديمية الفنون الجميلة عام 1994 ليدرس السينما ، التي عشقها من خلال القراءة ، لكنه لم يستطع اكمال دراسته للسينما لاسباب عديدة ، فاضطر لترك اكاديمية الفنون الجميلة مهموما وهو في عامه الاخير. خلال سنوات دراسته المعدودة اخرج وكتب ومثل في العديد من الاعمال السينمائية الفنية ، ويعتبرها حسن بلاسم اعمالا فنية متواضعة . في المرحلة الثانية من دراسته ، عام 1996 ، اخرج فلم "كاردينيا " وهو فلم وثائقي حاز على اهتمام مشاهديه ، وحاز على جائزة . ولفت ذلك الانتباه اليه كمخرج وكاتب سينمائي ، وصار البعض من الطلبة يقصدونه للاستفادة من امكانياته وقدراته . وتحت ثقل الحاجة وضيق ذات اليد ، في سنوات الحصار الاقتصادي الثقيلة ، اضطر حسن بلاسم لان يكتب وينفذ اعمالا فنية للعديد من الطلبة المتمكنين ماديا ليقدموها باسمائهم كأعمال تخرج ، ورغم ثقل ذلك نفسيا عليه الا انه وجدها فرصة مناسبة ليس لتوفير متطلبات حياته اليومية ، بل ولاستغلال حاجة هؤلاء الطلبة "المتخمين ماديا " والمستعدين لتمويل مشاريع تخرجهم ، فقام حسن بلاسم بالعديد من التجارب العملية واختبار بعض الأفكار حول شكل الفلم القصير. ومنحه ذلك تجربة عملية قادته لتنفيذ اعمالا اخرى باسمه ، فكان ان كتب سيناريو ومثل عام 1997 في فلم " بياض الطين" ، وكتب عام 1997 فلم "كابينة" ، وكتب فلم "النهايات" عام 2000. وفي كوردستان وجد فرصة لتقديم دروسا عن السينما في بعض المعاهد الفنية ، وفي عام 1999 كتب واخرج فلم " زامي كاميرا ـ جرح الكاميرا " ، فلم روائي كوردي ، ساعة ونصف ، عن الهجرة المليونية في كوردستان ، وتم تصويره بكاميرا فيديو منزلية عادية ووسط ظروف انتاج واجهتها مختلف الصعوبات الفنية والمادية ، وحاز الفلم على اصداء طيبة في الاوساط الفنية .في فنلندا ، ولقسم البرامج الثقافية ، للقناة الاولى ، كتب حسن واخرج فلمه القصير " ميت في طبعات " ، والذي عرض من خلال التلفزيون الفنلندي صيف هذا العام . الفلم 18 دقيقة ، كتبه حسن بلاسم ، ونفذه بالاشتراك مع فريق عمل فنلندي محترف . يقول حسن بلاسم عنه " انه بطاقة تعريف" . الفلم مكتوب على اساس نص قصيدة منشورة للكاتب وبنفس الاسم . في فلم "ميت في طبعات " ، الذي يحكي فيه حسن بلاسم عن حاله وهمومه من خلال نص قصيدة مترعة بالهواجس والاسئلة ، يميل الى الاهتمام بالشكل ، فهو في كل اعماله الفنية يحاول ان يبين للمشاهد ان مصداقية صورة الوثيقة يمكن ان يجدها في شاعرية الوثيقة ضمن بناء الفيلم . فالصورة في الفلم القصير لدى حسن بلاسم تملك طاقتها الشعرية ، ولكل لقطة كيمياء خاصة لها نصيب من الموسيقى . اللقطات في فلم " ميت في طبعات " كانت تحاول اللحاق بايقاع القصيدة المقروءة بصوت الكاتب نفسه . لم تكن هناك موسيقى في الفلم ، كان المشاهد يصغي الى صوت المؤثرات الطبيعية ، صوت الحياة ، ينقله الى العالم الداخلي للصورة . في فلم حسن بلاسم القصير كان هناك ايضا ايقاع الواقع العراقي المعاصر بدماره ودمويته في لمحات فنية مكثفة . في الفلم كان هناك محنة وحيرة حسن بلاسم كانسان وفنان ، ونلمسها في تلك المشاهد المؤثرة والعبرة في الفلم ، مثل مشهد قطار المترو في هلسنكي ، حيث يتدافع الناس للحاق باعمالهم ومنازلهم ومواعيدهم ، ويظهر حسن بلاسم بينهم ساهما ، ومع وصول القطار يركب الجميع ، ليبقى حسن بلاسم متسمرا في مكانه ، محني الظهر تحت ثقل همومه وحقيبة الظهر ناظرا في اللاشئ ، منتظرا المجهول . فلم " ميت في طبعات " ذاكرة صورية زاخرة تحمل سؤال : كيف نواصل الحياة مع زخم الارق والذكريات ؟ كانت القصيدة التي بني عليها نص الفلم زاخرة بالصور والاسئلة والحيرة ، وهذا انتقل ببراعة عبر عدسة الكاميرا الذكية والمونتاج البارع الى ايقاع لقطات الفلم . يعتقد حسن بلاسم انه لم يتمكن لحد الان من توظيف كل امكانياته الفنية ، وهو يبحث عن الفرصة المناسبة لتحقيق شيئا من احلامه السينمائية ، ويحمل عدة مشاريع لافلام قصيرة يسعى لايجاد الفرصة لتنفيذها ، ويخشى ان تمر عليها شاحنة الزمن وتظل حبيسة الاوراق .ومثلما طالبت محررة الشؤون الفنية في احد الصحف الفنلندية بضرورة منح حسن بلاسم فرصة للعمل والانتاج ، فاني اضم صوتي الى صوتها ، واتوجه بكلامي هنا الى المسؤولين في المؤسسات العراقية واتمنى ان يمنحوا حسن بلاسم ، وغيره من المبدعين ، الفرصة المناسبة لخدمة وطنهم وتحقيق احلامهم الفنية ، واقول للقراء الاعزاء : في عالم السينما ، اوصيكم بحفظ هذا الاسم وتذكره جيدا " حسن بلاسم " ، فيوما ما سيدق باب ذاكرتكم بقوة باعمال باهرة ، ستمنح السينما بريقا خاصا متفردا






2006 ـ هلسنكي



الأحد، 13 أبريل 2008

أجيال الورق والأخرى من الشبكة العنكبوتية




مازال هناك كتاب في العالم العربي ينظرون الى النشر عبر شبكة الانترنيت نظرة تعال وإستخفاف ومازال النشر عبر الورق يشكل عندهم الدلالة على القيمة الابداعية لما يكتبون. وحتى أن كثيرين من النقاد لا يتابعون غير الكتابات التي تنشر عبر الورق. وهذا أمر لايدهشني، أنا على الأقل، كما لا يدهش عددا هو، ولحسن الحظ، في تزايد مستمر. فهكذا نحن قد إعتدنا على العماوة والتأخر في هذه الثقافة، ومن ثم نجلس لنلطم ونندب حظوظنا. رغم أني ألاحظ بأستمرار أن النشر عبر النت دفع كتابا كثيرين، خلال مدة قصيرة، على تغيير الرأي، والنزول الى ساحة النشر الرقمي ـ سواء أكانوا مرغمين أو أنهم أدركوا حقيقة وعطايا وسيلة النشر الجديدة التي ستزيح الورق نهائيا . لكن ليس السؤال الآن حول تلكؤ الكاتب العربي في تقدير وسيلة النشر هذه، بل حول مدى تأثير وسيلة النشر الجديدة على خلقه. لا أريد هنا غير لفت الإنتباه الى الجيل الجديد الذي يتكون الآن من خلال النشر عبر شبكة النت، والى الفرص المعرفية الكبيرة المتاحة له.

لدينا اليوم جيل آخر. جيل لم يشارك في المعارك الحزبية ولم يرضع من أوهام الغرور الأجوف. وهذا الجيل الذي أتكلم عنه هو جيل ملحد ولد تحت الانقاض. لكنه مازال تائها. وأنا أسميه بجيل الانترنيت الأول، بدلا عن تلك التسميات الصنمية الشائعة : جيل التسعينيات أو جيل الستينيات وهلم جرا. هذا الجيل بدأ النشر بشكل واسع مع صعود النت، وهو ينشر من وقت الى آخر في الصحف والمجلات الورقية أيضا. و في الأخير جاءته حرية القول بعيدا عن مقصات الرقابة. ومفهوم أن الزمن سيبلور قيمة إبداع جيل الإنتريت الاول. أما الجيل الإنترنيتي الذي سيعقبه - الجيل الثاني، فباعتقادي أن ولادته ستكون بعد إختفاء الورق. كما أعتقد أن ميزة جيل الانترنيت الاول هو أنه يضم كتابا من مختلف الاعمار وليس كما كان من قبل : مجموعة من الشباب تحتل عقدا من الزمن وترفع لافتة الجيل. إن تقارب الاجيال غير المشوَّهة ومن مختلف الاعمار، عبر شبكة النت سيكون له تأثير إيجابي على الكتابة المبدعة أي أفضل بكثير من القطيعة المصطنعة التي كان يبقي عليها الكثير من المجلات والصحف وغيرها من وسائل النشر الورقي. فكل مجلة كانت تحتكر بضعة كتاب من جيل معين وفق أمزجة المحررين والمؤسسات.
إن النشر الإنترنتي قد كسر مقص الرقيب العربي وشلَّ ذراعه الطويلة. وهذه فرصة أكثر من كونها ذهبية أمام الكاتب، وماعليه إلا إستغلالها لمصلحة الثقافة الحقيقية. كذلك فحرية النت دفعت الصحف والمجلات الورقية الى أن تسلك سبيلا آخر غير سبيل الكتابة المحجَّبة. فقد أجبرت هي الأخرى على إرخاء حبل الرقابة على الافكار والمضي مع ثقافة الصورة والمفردات الجديدة، ولأن المنافسة تشتد ولابد من اللحاق بحركة المواقع الادبية على شبكة النت.
لقد بات واضحا أن عملا شاقا طويلا لايزال أمام النشر الورقي لكي لا يصيبه التعفن ولايسحقه النشر الرقمي البارع. فعلى سبيل المثال لو قام أحد الباحثين بدراسة حول المفردات المحرمة التي لم يكن مطبوع ورقي واحد يجرؤ على إستخدامها، لوجد أن عشرات وعشرات من مفردات شبكة النت أصبح استخدامها من المسلمات، ولم يعد القارئ يرتجف حين يقرأ كلمة عارية ومجنونة. أظن أن على جيل الانترنيت الاول أن يسهم في توسيع الثغرة التي حدثت في جدار الرقابة، وينهل من كنوز الابداع الانساني في الشبكة العنكبوتية تاركا للذين تآكلت أسنانهم تلك الحكايات المكرورة واللامجدية مثل حكاية محليّة الكاتب وتراثه المسوَّر بتلك الصورة المعروفة. إذ ليس من وجود هناك لكلمة محلية أوعالمية، هناك فقط قلب الانسان الذي يتعذب على هذا الكوكب الذي يخشى اليوم أن تسممه يد الانسان الوحشية الجشعة.
نحن قادرون اليوم على الوصول، عبر الشبكة العنكبوتية، الى كل أسرار المعرفة تقريبا، بدءا بأدق دراسة عن عالم الحشرات وإنتهاءا ببحث مفصل عن تأريخ الشيزوفرينا. لقد بات من الممكن متابعة مسيرة القصة أو القصيدة في هذا البلد أو ذاك، أو الصعود الى السماء والتعرف على جهود العلماء في معرفة الكون. لقد أصبحت المعرفة بفضل النت مبذولة وعلى مثل هذا النطاق الذي لايصدق حقا. فكل الستائر هي مرفوعة كي نشاهد نساء يضاجعن الحمير بطريقة غامضة أو الدخول الى غرف طقوس سرية لجماعة دينية. وكل أطياف المعرفة وضعها النت على طبق خرافي السعة، فهناك المحرم والهامشي والسطحي والعميق والمدهش والمرعب والملائكي والشيطاني. وبكبسة زرّ ننتقل من عالم الى اخر. وهذه النعمة بحد ذاتها ستؤثر بطريقة مدهشة على نوعية كتابات هذا العصر. إلا أن الحذر لازم كي لايقودنا الزائل والبراق الى ألعاب المفرقعات النارية التي يجني بعضهم الحرام منها، في كل عصر، وعلى حساب الانسان الذي نحلم به. واليوم، في عصر شبكة النت، لا عذر للكاتب والقاريء إذا سترا الخمول بإنعدام الفرص. وكان إيتالو كالفينو يبشر بالقارئ الذي يتحلى بثقافة أكبر من ثقافة الكاتب. وبهذه الصورة يكون بمقدورالشبكة العنكبوتية أن تقوم بخطوة مثيرة في الاتجاه الذي تحدث عنه كالفينو أي حين اشار الى أن المستوى الثقافي للقارئ ليس ذريعة لخفض مستوى ثقافة الكاتب كي يكون مفهوما وفق تلك الطريقة الواقعية السطحية.
إن مهام الكاتب تزداد صعوبة، وعلى العكس مما يروج له بعض الكتاب العرب المعوَّقين بالكسل والخمول وما يقولوه عن كاتب النت. فالصدأ والتكلس هما من نصيب هذا الركام الهائل من أكداس الورق العربي والذي يسمى أدبا أنسانيا. إذ يكفي جيل واحد كي يختفي ثلاثة أرباع الأدب العربي . جيل واحد يولد حرا ويمارس طقوس السلام بعيدا عن دوامة الانظمة الشمولية. جيل واحد يتفرغ لفردانيته بعيدا عن الحروب وشعارات الاحزاب والسفسطات القومية والمضي مع غرائز القطيع. جيل واحد فقط وينكشف خواء الأدب الذي كتب في هذه الفترة الطويلة من الظلام. وهذه هي حال كل أدب مسمى بالمرحلي أنجبته العتمة بتلك الطرق البالية والمصطنعة. ولا شيء هنا غير أدب اللطم والحماس والشعارات والمصالح والاخوانيات والنفاق والتواطئ مع الأنظمة الحاكمة وحتى مع القارئ الذي سممته الشعارات الدينية. ليس أمامنا هنا سوى أدب يحاول أن يحشر، بالقوة، الأدبَ الغربي مثلا، في قوالب هموم حماسية ومواضيع طينية بإمتياز.
جيل واحد فقط وتتغير خارطة الأدب العربي، حين ُترسم خارطة أخرى للحياة وتتفرغ الأجيال القادمة الى حياة السلام بكل فراغه ( المكتنز ) وسعادته و( قسوته ) أيضا. وآنذاك ستنشأ أسئلة جديدة تعمل على إختفاء تلك الأسماء الركيكة ...

الأحد، 6 أبريل 2008

رسائلي الى حسن بلاسم إعترافات من دون ذنوب



عدنان المبارك


عزيزي حسن. أشكرك على التمنيات والرسالة. صحيح أنه لم يبق عندنا غير فعل المراقبة ، ونحن هنا نباري الله ! فهو أيضا يكتفي بهذا الفعل ولايحرّك ساكنا ... وهذا هو الفارق الجوهري بينه وآلهة اليونان الذين يشاركون البشر في كل أفعالهم ... حصل الشيء نفسه معي ، فقد مرت الأيام الأخيرة من السنة الفائتة بهدوء شمل المراقبة أيضا... عثرت على نصوص للشاعرالليتواني كتبها بشكل يوميات محرومة من التواريخ. وحسنا فعل ، إذ ليس هناك من معنى أساسي لظاهرة التعاقب في فعل الكتابة ... أبعث برسوم أخرى أيضا. الظاهر أن حصص الرسم صارت لدي إستراحات حقيقية ، خاصة حين تعقب قراءات ( عسيرة ) مثل ( مفهوم الخوف ) لكييركيغورد... أنا أعود إليه حين تفزعني ظواهر مثل الله والحياة والثقوب السود بكلى نوعيها - الأرضية والكونية...
2.1.2008
مقدمتك لرسائلك إلي ّ من عام 2007 ليست ب( القصيرة جدا ). انا أفهم وصفك هذا. والتجربة نفسها مررت بها حين أردت أن أكتب المقدمة لرسائلي إليك : فرصة ذهبية للتعبير عن الموقف والشعور والأمل في أن ما يخفض لعناتنا ونحن على هذه الأرض اليباب هو أن برعما هنا وآخر هناك يتشقق بالخضرة... إنها كلمات جميلة وليس لأنك قد رسمت لها محورا هو أنا ، بل لأنك تشخص ما تشعر به بمثل هذه الحساسية ... كابوسك الليلي إمتداد لواقع أننا أحفاد أوديب الشرقيون الذين حشروا كلهم في زوايا مختلفة من الطابق الجحيمي نفسه. ومن إبتكر هذه اللعبة التي منحها السذج نعتا رومانسيا : الحياة ، لم ينقصه الدهاء حين عمل في كوابيسنا السود بضعة ثقوب بيض ، ثقوب الفن والصلة الدافئة بين فان ٍ وآخر ... الغريب أني لا أتذكر إلا القليل من كوابيس الليل. أسفي هنا كبير، بالطبع لا علاقة له بالمازوكية ... أرغب إخبارك بتجربة صغيرة بدأتها اليوم : تلخيص سيرة إنسان عبر صورخاضعة للتعاقب الزمني. هي ليست سيرة ذاتية وإن لم تفتقد بضع وقفات منها. وكنت قد تذكرت مشروعا لبرغمان عن تصوير فلم لايتناول أي شيء آخر غير التحولات الجارية على وجه إنسان معيّن - من الطفولة حتى الشيخوخة. كما أذكر كان قد ألمح الى هذه الرغبة في أحد أفلامه ، لكني لا أتذكرأيّ فلم منها. ما أذكره فقط أنه كانت هناك إشارات بهذا الخصوص في كتاب ( فن التصوير الشخصي ) الذي ترجمته. تجربة الصباح تتحدد في كتابة جمل ، وأحيانا كلمات ، مهمتها الإيماء الى فترات العمر. هل مرت عليك مثل هذه الخاطرة ؟ إنها فلمية في الجوهر. أكيد أن السينما تعرف مثل هذه التقنية. لكن لا أعرف شيئا عنها في حقل الكتابة.
6.1.2008
أكتب بشيء من التردد في قصة من نوع السكربت الفلمي. تشظيات حسب لا تبتعد كثيرا عن تيار الوعي. إنها مجرد تجربة وآمل أن لاتكون محرومة من قيمة ما. عدت الى الميثولوجيا اليونانية. ما يجذبني الى زيوس بشريته الصرفة التي تنقض وتناقض العلو غير المفهوم لرب آخر. رب الأولمب هذا يتصرف وكأنه من البشر الفانين بكل أحوال ضعفهم. شبقيته معروفة بالطبع وكم من المتاعب جرّت عليه ! عدتُ بشكل خاص الى أوديب وسلالته. سوفوكليس أغلق كل الأبواب بوجه بطله التراجيدي حين وجد أن مصير الإنسان خاضع تماما لأحكام العناية الإلهية وأن الآلهة يبعثون للإنسان بالعذاب ، وهم وحدهم القادرون على جعله متساميا أو يحظى بالرحمة. في المحصلة هو رأي صحيح تماما طالما لا نعرف من هو الجالس أمام لوحة مفاتيح الحاسوب الكوني... أكيد أنها قفزات في القراءة. وفيها أشعر بحريتي. أما الترجمة فهي مزيج من الحرفة والتحليق لكن بجناحين صغيرين...
8.1.2008
كنت قد أجبت على رسالتك السابقة لكن مع إستثناء الكلام عن صديقي ( ف ). أنا أشاطرك الرأي. فإمتيازه أنه ظهر في زمن العطش والصبّار. صحيح أنه صديقي لكن الحقيقة أقوى من العواطف. وهنا تقرضني الرغبة في الإستشهاد بذلك القول المعروف : ( الأعور في بلد العميان ملك ) ، لكن لا أريد جرح شعور أي ّ أحد ، رغم أن القول يعكس بأمانة كبيرة ، المسيرة السلحفاتية للقصة العراقية. ويعرف الكل أسبابها التأريخية والحضارية والفنية والسوسيولوجية إلخ لكن غالبما تأخذنا العزة بالإثم... أواصل الكتابة. لا أعرف إذا كانت تجربة جديدة ، ففيها إلتفاتات قوية صوب نصوصك النثرية - الشعرية مع ميل أقوى الى إستخدام تيار الوعي وتقنيات المونتاج. بالطبع ليس فيها شعريتك، أو بالأحرى ليس بذلك الإندياح المألوف عندك.
10.1.2008
قرأت في كتاب هويمار فون ديتفورت ( أطفال الكون ). كتاب باهر مكرس للعلاقة بين الأرض والكون من ناحية ومن أخرى للغز الغريب المسمى بالحياة. كما تعرف ليست هذه بالغريبة فقط بل المفزعة أيضا. هنا إسترجعت ذاكرتي مصداقيتها وتذكرت ما كتبه باسكال في ( الأفكار ) حين تأمل قصر حياته التي ستلتهمها الأبدية ، وهذه كانت قبله وستكون بعده حين تأمل الحيز الضئيل الذي يشغله حتى أنه يبصره ملتحما بفضاءات غير منتهية لا يعرفها وهي لا تعرفه ، داهمه الفزع والدهشة... كان يوماٌ جاءني بدفعة ملموسة كي لا يغمرني الأسف بأنه كان يوما آخر ضائعا...
13.1.2008
لو لقيت الشيوع أحكامك وتصوراتك فيما يخص محنة الفن/ الأدب العراقي - العربي ، ولو بنسبة عشرة بالمائة لحدث في موقفي إنقلاب جذري قدره 180 درجة ، لكني لست من الصنف المتفائل ولا الآخر الذي يغمض عينيه كي لايرى الإعصارات والحمم ، وكلها جنونية. ولو حدث ما يحدث الآن ، قبل نصف قرن لأصابتني عدوى التفاؤل. حينها كان الدين وكل هذه الفوبيات تحت رماد ثقيل ولم توقظها بعد شتى أصناف الأبالسة. بالطبع أنا لا أشكك بنظرتك المستقبلية ، فشمولية الإنترنت وبقية مصنوعات الألكترونيكا هي حاضر دينامي ومرشح للهيمنة الكاملة على قرية المستقبل الألكترونية ، غير أن الإنسان باق على أحلامه السوداء ، فهو من أسماه شبنغلر بالمفترس الروحي الذي يعذب كل شيء ممارسا جبروت العقل ، أو كما يقول إن مصدر كل إختراع تقني هو الحلم الفاوستي بالإنتصار على الرب والعالم... بإختصار أنا لا أثق بمقولة تخلص الإنسان من أدرانه وعوقه في مجالات كالتفكير والأخلاقيات ، فالإحتمال ضعيف للغاية في أن ينتصر تماما على تأريخه وأوهامه لكن هذا لايعني أنه محتوم علينا أن نضيع ، مثل أطفال صغار، في متاهات القنوط القاحل وذاك الإحباط السارتري من نوع ( لافارق هناك إذا قدت الشعوب أو سكرت في حانة ). وأعترف لك بأني ( أبالغ ) بالتفكير بمصائرنا كحيوانات عاقلة إلا أن هذا وغيره لا يحول دون ممارستي صنعتي : الكتابة التي أعاملها كمصدّات الرياح أوالأمواج ...
17.1.2008
لا أعرف أين أنت في مثل هذه الساعة . ربما في ضجر ذاك العمل ، ربما إنصرفت الى الآخر ، آخرنا ... هناك مسرة صغيرة ، ربما كبيرة ، في أن التقويم الدنماركي للسنة الجديدة يغتني بكلمات مأثورة لكييركيغورد. وهكذا صرت أعجل في قراءة الكلمة وقبل رحيل يومها : - في البدء ترقص أنت مع الرغبة ، وهكذا ترقص الرغبة معك. كن واثقا بانه سيصبح رقصا مؤلما. - الإنجيل ليس قانونا ، الإنجيل لا يحررك عند الصرامة ، بل عند الوداعة ، لكن الوداعة هذه ستحررك وسوف لن تخدعك ، ولذلك تكون الغلاظة في ذلك حسب.
17.1.2008
كما لو أن الإبادات اليومية لا تكفي ، فها هم يدبرون جريمة على طراز طالبان : تفجير نصب الحريّة . والنداء الذي أرسلته إليك قبل قليل يوضح الأمر. أبعث بهذه القصائد للشاعر الليتواني ، ويمكنك أن تعاملها ككرسيّ ماتيسيّ بعد نهار متعب...
سيغيتاس بارولسكيس Sigitas Parulskis


الأرض الطاهرة

نقلعُ، نجمعُ البنجر

في الحقل ، أسنان حادة

للتنين

الأب أطعم الخيل

باركََ ، لنركعْ
نركع، ننحني ، البنجر

أكوام ، على الأوراق ندى

على الجذور تزيّط الأرض

في السماء غرانيق
تلمع الأنصال ، الظهور

ترطب ، الأيدي تعبى

في المفاصل شيء يخز

السماء تغيم
محراب أصفر أخضر

يشتعل ، كما الشمعة

تذوب كومة عالية من البنجر

الدموع تطير الى السماء

ليسرج الأب

الخيل ، ولنذهب الى البيت
في الطريق تجاعيد كما في وجه

الأم ويدي الأب

الريح أخذت َتحزّ ، بصعوبة

تدور العجلات في الوحل

الأرض طاهرة كالموت
عام 1994

زمن الجليد

قطعنا الخشب ، ألواح الزريبة

المهّدمة ، ُقرْمات ، كتب ضخمة

لحطب نار عيد الميلاد، صفحة ً بعد صفحة

ومن الجذوع ليفة ً بعد ليفة

و عمُّنا بيده المنشار

، كما القديس أنطون ، ونحن الإثنين أنا والأب

كمعاونين له، على يمينه و شماله

الثلج هطل و إبتلت الأكمام ، ثلج ٌ

من نشارة الخشب

قطعنا كل خشب المستودع ، وجاءت أميّ القديسة حنّه

هبطت من السماء وقالت:

آخذُ سويقا لإشعال النار ،

القديس أنطون ، خذي ما تشائين ،

أنت ترين كم قطعنا ، نعم أرى ،

ضحكت الأم ، ضحك العم ،

ضحك الأب القديس ، و المنشار

أصابه الخرس ، و الحيوانات أخذت تصهل ،

وهدأت مياه البحيرة ،

عندما أخذونا الى السماء
1998


ثقوب

أن تخلق صورة ً : جليد ُ ، وعلى الجليد

يطارد قط فأرة ، تتزحلق قوائم

الجلاد والضحية.

وهذا الجهد الذي يبذلانه

يساويه المصير ، الحمق الأبدي.

أن تنأى عن العذاب ، أن تفوز

وتحشو البطن بالمسرات ، وتطلق النفس حرّةً ،

وفجأة ُتصعَق بإتساع الوجود.

كوكبات النجوم تصب ، عبثا ، السائل المنوي على الأرض.

تريد أنت أن تقول شيئا ؟ قلْ بأنك تحب إلمرأة والجار - لكن المرأة هي

جارك أيضا ،

وأن الكحول يعمل ثقبا في البطن،

وأن المخ هو مجموع أفكار َشبقة.

ها قد تبددت الصورة - ذاب الجليد ،

والجلاد إلتهم الضحية ، والسيل إبتلع الجلاد.

هل بمقدور الله أن ُيحِب – من دون غيرة ؟

أهو قد شفا النفس من الجسدية بالموت ؟

لاشيء هنا. ثقب وزمن حسب.
1998


السرير

في الليل شيءٌ يزحف على جسده العاري

هو مرغم على حكّ جلده والتقلب ، وبألم ٍ

تتمزق البطن والفخذان وما بينهما

من دون إيروسية ينبش

في أعضائه التناسلية الذابلة

وفي النهاية حين يقفز من السرير ويشعل الضوء

ويتفحص الجسد المعروف

والغريب

وكما حصل قبلها لأكثر من مرة

لا يعثر ، ثانية ، على شيء ، لايبصر

أي ّ حشرات ، أيّ عفن ، أيّ جروح

أيّ ديدان ، لاشيء عدا

كفن فراش السرير والمرمي بقرفٍ
ومن الباب حجارة مرمية
عام 1998
* * *
18.1.2008
صدمتني رسالتك حقا. الظاهر أن نقمة عبثية تلاحقك ومعها فترات إستراحة لمجرد الإيهام بأنها قد ولت ... وما يقلقني هو ضياع وقتك بسبب بيروقراطية حمقاء كالعادة. لا أعرف ما أقوله ، رغم أني أعرف جيدا بأنك قد كسبت ما يكفي من المناعة ضد الصدمات المعاشية والأخرى أيضا مما يعينك في أن تواصل عملك الحقيقي. لكن يبقى السؤال الذي لا أريده أن يعكس ولو ذرة من القنوط أوالإحباط : متى ستسمح ظروفك بالوقوف وراء الكاميرا من جديد ؟ أتمنى صادقا أن تنتصر على هذه العقبة الجديدة أيضا... كما تعرف أنا لدي درعي السلحفاتي مما يعينني في مواصلة الكتابة وغيرها ، وما يزيد من صلابة الدرع تلك القناعة المعيشية التي تأتي حين يهرول الزمن صوب نقطته الأخيرة...


20.1.2008
رسالتك أحزنتني كثيرا. كلنا نعرف لعنة المعيشة وأدغال اليومي التي يربض فيها ويقفزمنها أكثر من حيوان مفترس ... لكن قل لي يا حسن ألا تشعر من دون الكتابة بأنك سقطت في فراغ أصم كان رامبو قد ترك الشعر في سن مبكرة جدا ولأنه لم يكن ، وفق قناعته ، لديه المزيد. إلا أن هناك عشرات الأمثلة الأخرى بل المئات التي تشير الى العكس... لا أعرف ، قد يعمل الجو النفسي وحصار تلك المشاكل على التقليل من شأن ( ما ُخلقنا من أجله ). ربما أنا أبالغ. ربما أجد نفسي ضحية للضجر الحقيقي إذا لم أفكر بالأدب والفن وأصدقائي فيهما... أتفق معك بأن الإنسان يشعر بضآلة ٍ ما حين يقرأ ما أنجزه الآخرون وخاصة إذا كان الإنجاز من النوع الفذ والمتجاوب مع المشاعر والمنطلقات. لكن ألا يعني هذا ، ومن جهة أخرى ، محض نموذج ومثال علينا أن نسترشد به من أجل أن نرد بعض الدين لهؤلاء الذين ضحوا من أجلنا نحن بالذات وليس من أجل أولئك ( الآخرين )...


20.1.2008
عدت اليوم الى غومبروفتش - ترجمة مسرحيته ( إيفون أميرة بورغندي ). في الحقيقة كنت قد ترجمت أجزاء منها. آمل أنها غير مترجمة الى العربية. الأمل قوي هنا ، فالعرب ليسوا بحاجة الى أي عبث أجنبي ، فلديهم المزيد من المحلي : الأدبي واللأدبي ...


21.1.2008

نصك جميل حقا. إنها عين فنان حقيقي تلتقط بمثل هذه الحساسية كل الأحداث الكبرى الموت، الحياة الحارة التي غالبما أشبهها بسمكة مشدوهة العينين وتلبط باليدين... في نصك ثمة تكثيف بل إجلال للكلمة. وهنا تذكرني بألبير كامي الذي كان هوسه أن لا ( يزيد ) في الكلام... إنها نثر خارج ، بالطبع من رحم الشعر. وياليتهم عرفوا جلية الأمر : ليس شعرا ، وفق التعريف الشائع ، خارجا من رحم الشعر بل هو ( نثر ) خارج من هناك ... أنا لا أرى أيَّ محذور من التعامل معه كنص سردي. هناك صفحات كثيرة في رواية كامي القصيرة " السقطة " تراوح بين الإعتراف والنفس السردي مثلا.

29.1.2008
قرأت البارحة بحثا شيقا لفيلسوف سلوفيني ( سلافوي شيشيك ) عن جاك لاكان. في الواقع لم يكن عن هذا الفرنسي بل معظم النص مكرس لألفريد هيتشكوك الذي خضع هنا لتفسير غير معهود : واقعي - حداثتي - ما بعد حداثتي ... السلوفيني يحاضر في أكاديمية الفلم اللندنية أيضا. نصوصه غريبة مابعد حداثتية كرس بعضها لوودي ألين وكشيشتوف كييشلوفسكي وآخرين.

2.2.2008

أنا متأثر بل مغتاظ من هذا العالم الذي يستعبدك بهذه الصورة. خشيتي أن يبالغ في جرّك عن ( الهمّ ) الأساسي ويغلق الباب عليك في زاغور الهموم الأخرى. لا أعرف لم تذكرت كلمة همنغوي ( الخبز أفيون الشعوب ) ، ومعها خاتمة أنتوان دي سان - أكزوبري في ( أرض البشر) حين إعترف بأن ما يقض مضجعه ليس موت الأطفال بل موت بيتهوفن وموتسارت آخرين فيهم. لكن ما يخمد غيظي هو وثوقي من أنك باق في موقعك بعد كل التجارب ، القاسية منها وغيرالقاسية ، التي عرفتَ فيها أكثر من حقيقة واحدة من حقائق هذا العالم ...


8.2.2008

أدواردو غاليانو تعجبني أشياء كثيرة فيه ومنه. قبل سنين قرأت روايته الأكثر شهرة ( عروق أميركا اللاتينية المفتوحة ). ما يعجبني فيه أيضا مقته للأميركانزم. أتذكر مقالا له من قبل عام عن الشياطين التي تقض مضاجع الغرب عموما. وقد عدّدها بدءا بالشيطان المسلم ( وهذا تقليد يرجع الى دانتي حين ألقى محمد في الجحيم ...) والأخر هو اليهودي ثم المرأة وبعدها المثلي ويعقبه من تبقى من الهنود الحمر، وفي الأخير جاء الشيطان الأسود : الزنجي. بهذه الصورة كتب وإذا لم تخني الذاكرة. نصوصك ليست عصافير مهلسة ـ كما تقول عنها ـ بل غير مشذبة قليلا. بفضلها أكسب بعض التفاؤل والإيمان بأن الكتابة في العراق قد لاتحتاج الى فترة أطول للبقاء في غرفة الإنعاش...
9.2.2008
أنا أعرف إنشغالاتك المعاشية تلك التي لايعرف بالضبط من خطط لها بكل هذا الخبث. فبدلا عن إلقاء حسن بلاسم على إحدى مصاطب الضجر الكوني كي يحاول التحاور مع مخلوقات غريبة تضاعف فيها كل شيء بدءا بحاسة النظر وإنتهاءا بفعل التبرؤ من كل ما هو أرضي ورباني أيضا... لكن لحسن ٍ دهاءه أيضا : إنه يقيم ، بحكم كونه متآمرا من طراز بريء تماما ، مونولوغات لا تنتهي لكن مع مخلوقات غامضة الجذور وأبالسةٍ وأشباه بشرٍ وآخرين من أمثالي الذين ينجحون تارة في بصق يأسهم بوجه الرب وأنظمته العبثية ، وتارة أخرى يرجعون قانطين الى ( الألعاب الأرضية )...
قرأت نصا ل(ف ) كرّسه ل( شرح ) بعض أبسط الآليات النفسية. لكن ليس هذا موضع الإستغراب بل في أنه لايزال مسحورا بعهود تولستوية وكأن فرويد ويونغ وجويس وسيوران وبقية مهدمي المعابد القديمة هم مجرد ظواهر سرابية أو عصابات تخريب لمملكة الجمال والأدب السعيدة ... أنا واثق تماما من أن ( ف) لا يقرأ لأمثالنا طالما أنه يأخذ بمقولة العصرالوسيط المعروفة : " يوناني لا ُيقرأ "... في الحقيقة أنا دخلت معه ولأكثرمن مرة ، في خلاف حول القضايا الأساسية - جحيم سيوران وكييركيغورد وبافيزه وساباتو وبورخيس والباقين. كان رده الدائم أو بالأحرى نصيحته ( وهي تذكرني بكل مساويء ممتطي أحصنة هزيلة - أحصنة الأخلاقيات ، وهوس الإلتصاق بالآخرين والذي هو في الحقيقة كاذب ومفتعل ولأنه في واقع الحال يأتي توكيدا على ذوات تعاني من الإنحراف أو التصنع ) : " ينبغي أن لاننسى الآخرين " ... وهنا لابد من الرجوع الى تحليل سارتر لظاهرة الحب : العاشق لايريد أن يفنى بمعشوقته بل أن يغنم مساحة جديدة لأناه ، أن يوسع هيمنته...
11.2.2008
ما تقوله عن قصصي صائب في كل مرة. في الحقيقة ليس الغرض هنا إيقاظ غرائز ومشاعر معينة بل هزّ النائمين ( وأعترف بأنه غرض فوق طاقتي ) : كي يبصر بعضهم - وليس كلهم فهذا خامس المستحيلات وليس رابعها - الوجود والحياة التي هي ظاهرته الأكثر قسوة ولأنها تعني هذا الجسد الفاني وهذا العقل المعوَّق ، تحت ضوء آخر ، ضوء الإحتمالات والتكهنات ومن ثم كي يثقب السؤال الرؤوس : لماذاالإنسان ولماذا العالم ولماذا كل هذه التعاريف البائسة التي ُدقت مثل مسامير علاها الصدأ ، للعوالم الصغيرة منها والكبيرة ؟ أعترف أيضا بأن هذا هو مسعى بالغ الطموح الى درجة أنه يصبح مضحكا أو مثارا السخرية ! يحفر فيّ أيضا هذا الإفناء اليومي للعراق. ونص مثل نصك ( شكو ماكو ) أجده التعبير والتصوير المناسبين أكثر من غيرهما - من مقالات و قصص مازوكية لا تقدم شيئا غيرالتشبه بالزناجيل والقامات والدماء التي تسيل عبثا. منذ يومين أنبش في الموضوع - الهاجس : ظاهراتية وجودنا ولماذا نحن بأبعاد ثلاثة وليس إثنين مثلا ( وكما في رواية الكاتب الإنكليزي أدوين آبوت آبوت : " فلاتلاند " - بلاد المُسَّطحين. ولا أعرف هل هي مترجمة الى العربية. في الواقع هي لا تبتعد كثيرا عن جوهرة الأدب الإنكليزي " رحلات غوليفر " ). ومن جديد وصلتُ الى يونغ في كتابه الفذ ( ذكريات ، أحلام ، أفكار ). تحصل لدي بلبلة : هل أن ما أكتبه هو محض هضم ، وقد يكون عسيرا ! ، لما تكرس له الاخرون ؟ في الحقيقة أنا راض بهذا الدور البسيط في هذه التمثيلية المعقدة ! المهم إفراغ التفاعلات الداخلية...
12.2.2008
رحل التكرلي . وبذلك خبا ذلك اللهب القديم الذي كان قد توهج في الخمسينات وتصاعد بعدها ثم جاء ( الواقع الجديد ) الذي لا يعرف الرحمة ، والشبيه بكاسحات الألغام أو كاسحات ثلوج طرق الشمال. لكن علينا أن نكون عادلين ونعطي لكل حقه. كان فؤاد قد زرع شتلته لكن ما يدهشني أنه كان على ثقة من أنها ستتبرعم وتشب في أرض يباب سرقت قرون طويلة خصبها... أعترف بأن كآبة قاسية لاحقتني طوال النهار وأصابتني بالشلل. لم أقدر على الكتابة...
19.2.2008
وجاء رحيل آخر. ألان روب - غرييه ودعنا بالأمس... في الرأس دار شريط من الذكريات عن هذا الكاتب والسيناريست والمخرج غير الإعتيادي ( أذكر أن الصدمة كانت كبيرة عندما شاهدت فلم ألان رينيه " العام الماضي في مارينباد " والذي كتب روب – غرييه سيناريوه ) . لا أتذكر من قارن رواية روب – غرييه بصندوق متعدد القعور. ف( المماحي ) مثلا هي ، ظاهريا حسب ، ذات حبكة بوليسية بينما تكون في الحقيقة إيغالا في التحليل النفسي والأسطورة والفلسفة. وكل هذه الإحالات تختلط فيما بينها لكنها تدفع أيضا تلك الحبكة الى الأمام. وكما تعرف بدد غرييه أسطورة معينة عن الزمن الذي إعتدنا على التعامل معه خطيا ، ففي هذه الرواية ( سرد ) لأجزاء من الثانية التي تفصل بين الضغط على الزناد وإختراق الرصاصة للجسد ، أي الزمن الذي كانت الرصاصة بحاجة إليه كي تصل الى هناك ( المسافة كانت ثلاثة أو أربعة أمتار ). لكن الزمن الفعلي كان 24 ساعة ، زمن ذلك الرجل الذي حوّله غرييه الى أوديب لكن ليس ذاك اليوناني تماما بل منحه ظلالا خفيفة من السخرية والباروديا. الكل تقريبا يعترفون بأن الرواية الجديدة ( وكانت تسمى في البدء ، في الخمسينات : ضد الرواية. وإذا لم تخني الذاكرة ألصق بها الإسم الآخر في عام 1957 ) هي تجربة كبيرة في ميدان الشكل بل ثورة راديكالية : نبذ شخصية الراوية العليم بكل شيء ، إنعدام إستمرارية الزمن ، إختصار الحكاية أوالقصة الى الحد الأدنى ، رسم بالغ الضعف للخلفية الإجتماعية ، التأريخية إلخ ، ذاتية الوصف - هنا نبذت تماما مباديء المحاكاة. ولدى غرييه خاصة ليس هناك من تعليقات ذات طبيعة سايكولوجية أوأخلاقية. رغم صعود هذه الرواية السريع وإنحسار مدها في الستينات لا أحد ينكر بأنها جاءت للنثر بعناصر جديدة ، ولأذكرُ أيضا الدقة الرياضية في بنية العمل الأدبي أو ما إستعير من تقنية التسجيل الفلمي : المقطع الروائي أوالقصصي يذكر تماما بلقطة الكاميرا. كانت قد سحرتني روايته ( الستائر ) أو ( الغيرة ) / الكلمة تحمل معنيين بالفرنسية / وهي تعد أفضل عمل جاءت به الرواية الجديدة. وأذكر أن ساباتو لم يعجبه الكثير في ( الرواية الجديدة ). لا أعرف السبب بالضبط ، لكن الأكيد أنه كان ينفر من نزعتها الدوغمائية. وكان هنا محقا. فكتاب هذه الرواية كانوا يتصرفون كنشطاء أيدولوجيين... على أي حال فرحيل روب - غرييه خسارة أخرى جاءنا بها هذا الشهر المحروم ، لغاية الآن ، من أيّ لون زاه ٍ ...
20.2.2008
تمتعت مرة أخرى بقراءة نصك ( النفق والهذيان ). هذا النص - النافورة التي تقذف اللعنات في كل الجهات ، يزاحم كاتبه الرب كي يسطو علي إمتيازه في إنزال اللعنات... النص يذكرني بنهج فرنسيس بونغ الشاعر الفرنسي الذي عاش عقود كثيرة من القرن العشرين. هناك بعض المنصفين الذين يعترفون بفضله على الرواية الجديدة ، لكن لم يذكرني بنصك ؟ لأنه قال مرة بأن الشعر كف في هذا الزمن عن أن يكون شعرا، وكان يقصد شعر البيت والقصيدة وكامل ذلك البناء. أنت تكتب مثله : تنثر شاعرا وتشعر ناثرا. وقد تكون صدفة أني كنت أقرأه قبل أيام حين أضع رأسي على الوسادة وأمسك بكتاب يعينني عند إجتياز نفق النوم صوب واحد من سهول أوغابات الاحلام. بونغ ينضح بيولوجية ً ، وهو يعترف للأشياء بوجود مستقل تماما، وولعه بالتفاصيل ولع عالم مختبرات ، وفي توصيفاته المكتظة بالتفاصيل والمموضعة يحوّل الحيّ والجماد الى أرباب للكون. لم يكتب القصائد بل نصوصا نثرية عن البرتقالة والسيجارة والخبز والنار والحلزون والطحلب. كان قد نبذ السوريالية وإنهمك في فحص اللغة كما لو أنها جثة تنتظر التشريح الطبي. إنه شاعر مأخوذ بالوجود كما هو...
21.2.2008
ألبي رغبتك في التعرف ، ولو قليلا ، على إبداع فرنسيس بونغ. إنه شاعر صعب. ولا أظن أن هناك ترجمة تفيه حقه ولكن ... :
فرنسيس بونغ Francis Ponge ( 1898 -1988 )
النار
النار ُتدخِل النظام : في البدء تمضي اللهب كلها بإتجاه واحد... ( مسيرة النار يمكن مقارنتها فقط بمسيرة الحيوانات : كي تشغل مكانا واحدا ينبغي قبلها التحرك المتزامن كماالأميبا وكما الزرافة – إبراز العنق ، جرجرة السيقان ) ...

بعدها حين تصير ، طرائقيا ً ، الكتلة المصابة بالعدوى ، خرابا ً ، تتحول الغازات الخارجة منها تدريجيا ً الى مرسى للفراشات.
عام 1936

السيجارة
في البدء ننقاد الى الجو : الضبابية ، الجفاف والسحابية في آن واحد ، الجو الذي تصنعه ، من دون لحظة إنقطاع ، السيجارة التي ترقد مائلة قليلا.
بعدها ننقاد الى هيئة ٍ : صغيرة ، هي بالأحرى ذات رائحة أكثر من كونها مشعلا تنفصل عنه ، في إيقاع معيّن ، تجمعاتٌ من الرماد ليست بالكبيرة وبمقادير يمكن حسابها.
في الختام هناك الهوى : قطعة ُمجَمَّرة في هالة من رقاقات فضية تتشظى تدريجيا. عام 1936


قطعة لحم
كل قطعة لحم هي ُمنشأة ، توربينات ومضخات دم. أنابيب ، أفران ، مباخر ، وعلى الجانب مرئية ٌ معاصرٌ ميكانيكية وكتلُ شحم ٍ. ينفث بخارٌ فائر. تتلامع نيران هي قاتمة مرة وفي أخرى ساطعة. تحت سماء مفتوحة تحمل تيارات ٌ أنسجة ميتة مخضبة بالصفراء. كل شيء يبرد ، ببطء ، في الليل، في الموت. وها أنه ينشأ صدأ ، أوعمليات كيميائية أخرى تبعث رائحة كريهة.
عام 1942

24.2.2008
أنا أعتبر نصك ( النفق و الهذيان ) نموذجا لما ينبغي أن يكون عليه ما يسمى بالأدب العراقي على حد تعبيرك مرة. أنا قانع ومغتبط من ظهور نصك في الموقع ، وإذا إمتعض أوإستعاذ بالله هذا الجحفل المتخشب والمرائي من الفريسيين فلا ينتظره منا غير ( طز ) بحجم بالونه الأخلاقي المنفوخ بالهواء الفاسد لاغير... نحن نكتب أيها العزيز للقراء الحقيقيين فقط ، أما عددهم فأنت ذكرتني ولأكثر من مرة كيف أهمل أوكتافيو باث العدد هنا ... أهنئك من جديد على هذا النص خاصة أنك لم تنبذ في نشره نصيحة المسيح عن عدم إلقاء اللاليء تحت أقدام الخنازير... رحت اليوم مع مسوّدات قصة جديدة . أظنها ستكون رحلة حلمية أخرى. ما العمل إذا كنت مجبولا على ( خيانة ) الواقع الذي أسميته أنت مرة بالأليف - بالطبع كان وصفك له مجازيا ، ولربما كان أليفا لو لم ينس الله نزع الأنياب والمخالب عنه...